التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٢٤
وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٢٥
وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٢٦
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٧
وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
٢٨
يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ
٢٩
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ
٣٠
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٣١
-الأنفال

النهر الماد

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ} تقدم الكلام في استجاب في قوله: { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي } [البقرة: 186]، وأفرد الضمير في دعاكم كما أفرده في: ولا تولوا عنه. والظاهر تعلق لما بقوله: دعاكم، ودعا يتعدى باللام قال: دعوت لما نابني مسْوَراً. وقال آخرون:

وان أدع للجلي أكن من حماتها

{وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} المعنى أنه تعالى هو المتصرف في جميع الأشياء والقادر على الحيلولة بين الإِنسان وبين ما يشتهيه قلبه فهو الذي ينبغي أن يستجاب إذا دعي إذ بيده ملكوت كل شىء وزمامه.
{وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً} الآية، هذا خطاب ظاهره العموم باتقاء الفتنة التي لا تختص بالظالم بل تعم الصالح والطالح. والجملة من قوله: لا تصيبن، خبرية صفة لقوله: فتنة، أي غير مصيبة الظالم خاصة إلا أنّ دخول نون التوكيد على المنفي بلا مختلف فيه فالجمهور لا يجيزونه ويحملون ما جاء منه على الضرورة أو على الندور، والذي نختاره الجواز وإليه ذهب بعض النحويين، وإذا كان قد جاء لحاقها الفعل منفياً بلا مع الفصل نحو قوله:

فلاذا نعيم يتركن لنعيمه

وإن قال قرظني وخذ رشوة أبي. فلأن تلحقه من غير الفصل أولى نحو لا تصيبن. وزعم الزمخشري أن الجملة صفة وهي نهي، قال: وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول كأنه قيل: واتقوا فتنة، مقولاً فيها لا تصيبن. وزعم الفراء أن الجملة جواب للأمر نحو قولك: انزل عن الدابة لا تطرحنك أي أن تنزل عنها لا تطرحنك. قال: ومنه لا يحطمنكم أي أن تدخلوا لا يحطمنكم فدخلت النون لما فيها من معنى الجزاء. "انتهى". وهذا المثال وهو قوله: ادخلوا، ليس نظير واتقوا فتنة، لأنه ينتظم من المثال والآية شرط وجزاء كما قدر ولا ينتظم ذلك هنا ألا ترى أنه لا يصح تقدير أن تتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منك خاصة، لأنه يترتب إذ ذاك على الشرط غير مقتضاه من جهة المعنى. وأخذ الزمخشري قول الفراء وزاده فساداً وخبط فيه فقال: وقوله: لا تصيبن، لا يخلو من أن يكون جواباً للأمر أو نهياً بعد أمر أو صفة لفتنة فإِذا كان جواباً فالمعنى أن إصابتكم فتنة لا تصيب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم. "انتهى" تقريره لهذا القول، فانظر كيف قدر أن يكون جواباً للأمر الذي هو اتقوا ثم قدر أداة الشرط داخلة على غير مضارع اتقوا فالمعنى ان إصابتكم يعني الفتنة، وانظر كيف قدر الفراء في انزل عن الدابة لا تطرحنك، وفي قوله: ادخلوا، فادخل أداة الشرط على مضارع فعل الأمر وهكذا يقدر ما كان جواباً للأمر وفيه تخريجات أخر ذكرت في البحر. قال الزمخشري: خاصة أصله أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي إصابة خاصة وهي حال من الفاعل المستكن في لا تصيبن ويحتمل أن يكون حالاً من الذين ظلموا أي مخصوصين بها بل تعمهم وغيرهم. قال ابن عطية: ويحتمل أن تكون خاصة حالاً من الضمير في الذين ظلموا. "انتهى". لا أتعقل أنا هذا الوجه.
{وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} الآية نزلت عقب بدر فقيل خطاب للمهاجرين خاصة كانوا بمكة قليلي العدد مقهورين فيها يخافون أن يستلبهم المشركون، قاله ابن عباس فآواهم بالمدينة وأيدهم بنصره يوم بدر. والطيبات: الغنائم وما فتح به عليهم.
{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} الآية قال ابن عباس: نزلت في أبي لبابة حين استنصحته قريظة لما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسيرهم إلى أذرعات وأريحاء كفعله ببني النضير فأشار أبو لبابة إلى حلقه أي ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الذبح فكانت خيانته في قصة طويلة.
{وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} وفي كون الأجر العظيم عنده تعالى إشارة إلى أن لا يفتن المرء بماله وولده فيؤثر محبتهما على ما عند الله تعالى فيجمع المال ويحب الولد حتى يؤثر ذلك كما فعل أبو لبابة لأجل كون ماله وولده كانوا عند بني قريظة.
{يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ} الآية، الفرقان مصدر من فرق بين الشيئين أي حال بينهما. قال ابن عباس وجماعة: فرقانا مخرجاً. قال الشاعر:

فكيف أرجي الخلد والموت طالبي ومالي من كأس المنية فرقان

أي مخرج ومخلص.
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، لما ذكر المؤمنين نعمه تعالى عليهم ذكرهم صلى الله عليه وسلم نعمه عليه في خاصة نفسه عليه السلام وكانت قريش تشاوروا في دار الندوة بما يُفعَل به فمن قائل يحبس ويقيد ويتربص به ريب المنون ومن قائل يخرج من مكة يستريحوا منه وتصور لهم إبليس في صورة شيخ نجدي وقيّل هذين الرأيين، ومن قائل يجتمع من كل قبيلة رجل ويضربونه ضربة واحدة بأسيافهم فيتفرق دمه في القبائل فلا يقدر بنو هاشم على محاربة قريش كلها فيرضون بأخذ الدية، فصوّب إبليس لعنه الله هذا الرأي. فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك وأمره ألا يبيت في مضجعه وأذن له في الخروج إلى المدينة وأمر علياً أن يبيت في مضجعه ويتشح ببردته وباتوا راصدين فبادروا إلى المضجع فأبصروا علياً فبهتوا وخلف علياً رضي الله عنه ليرد ودائع كانت عنده وخرج إلى المدينة. ومعنى ليثبتوك أي ليثخنوك بالجراح والضرب، من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه ولا حراك به ولا براج ورمى الطائر. فأثبته أي أثخنه. وقال الشاعر:

فقلت ويحك ماذا في صحيفتكم قالوا الخليفة أمسى مثبتاً وجعا

أي مثخناً.
{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} الآية، قائل ذلك النضر بن الحارث واتبعه قائلون كثيرون وكان من مردة قريش سافر إلى فارس والحيرة وسمع من قصص الرهبان والأناجيل واخبار رستم واسافنديار ورأى اليهود والنصارى يركعون ويسجدون قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبراً بالصفراء بالأثيل منها منصرفة من بدر وفي هذا التركيب جواز وقوع المضارع بعد إذا وجوابه الماضي جواباً فضيحاً بخلاف أدوات الشرط فإِنه لا يجوز ذلك فيها إلا في الشعر، نحو:

من يكدني بشىء كنت منه

ومعنى قد سمعنا ولا نطيع أو قد سمعنا مثل هذا. وقولهم: لو نشاء أي لو نشاء القول لقلنا مثل هذا الذي تتلوه وذكر على معنى المتلو وهذا القول منهم على سبيل البهت والمصادمة وليس ذلك في استطاعتهم فقد طولبوا بسورة منه فعجزوا وكانوا أحب شىء إليهم الغلبة وخصوصاً في باب البيان فكانوا يتمالطون ويتعارضون ويحكم بينهم في ذلك وكانوا أحرص الناس على قهره صلى الله عليه وسلم فكيف يحيلون المعارضة على مشيئتهم ويتعللون بأنهم لو أرادوا لقالوا مثل هذا القول.
{إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تقدم شرحه من الانعام.