التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
١
إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
٢
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
٣
أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
٤
-الأنفال

النهر الماد

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية هذه السورة مدنية كلها إلا سبع آيات أولها وإذ يمكر بك الذين كفروا، إلى آخر الآيات، قاله ابن عباس ولا خلاف أنها نزلت يوم بدر وأمر غنائمه. وقال ابن زيد: لا نسخ فيها إنما أخبر أن الغنائم لله من حيث هي ملكه ورزقه، وللرسول عليه السلام من حيث هو مبين لحكم الله تعالى والصادع فيها ليقع التسليم فيها من الناس وحكم القسمة نازل في خلال ذلك. والأنفال: جمع نَفَل. قال ابن عباس وجماعة: هي الغنائم.
{وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} أمر بإِصلاح ذات البين، وهذا يدل على أنه كانت بينهم مباينة ومباعدة وربما خيف أن تفضي بهم إلى فساد ما بينهم من المودة والمصافاة. وتقدم الكلام على ذات في قوله: بذات الصدور، والبين هنا الفراق والتباعد، وذات هنا نعت لمفعول محذوف أي وأصلحوا أحوالاً ذات افتراقكم لما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت صفتها إليها كما تقول: اسقني ذا انائك، أي ماء صاحب إنائك، لما لابس الماء الإِناء وصف بذا وأضيف إلى الإِناء، والمعنى اسقني ما في الإِناء من الماء.
{إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي كاملي الإِيمان. قال ابن عطية: وجواب الشرط في قوله المتقدم: وأطيعوا، هذا مذهب سيبويه. ومذهب أبي العباس: أن الجواب محذوف متأخر يدل عليه المتقدم تقديره إن كنتم مؤمنين أطيعوا، ومذهبه في هذا أن لا يتقدم الجواب على الشرط. "انتهى". والذي قاله مخالف لكلام النحاة فإِنهم يقولون إن مذهب سيبويه ان الجواب محذوف وإن مذهب أبي العباس وأبي زيد الأنصاري والكوفيين جواز تقديم جواب الشرط عليه وهذا النقل هو الصحيح.
{إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ} الآية قرىء: وجلت بفتح الجيم وهي لغة ولما كان معنى إن كنتم مؤمنين أي كاملي الإِيمان قال: إنما المؤمنون، أي الكاملوا الإِيمان، ثم أخبر عنهم بموصول وصل بثلاث مقامات عظيمة وهي مقام الخوف ومقام الزيادة في الإِيمان ومقام التوكل، ويحتمل قوله: إذا ذكر الله أن يذكر اسمه فقط ويلفظ به تفزع قلوبهم لذكره استعظاماً له وهيباً وإجلالاً، ويحتمل أن يكون ذكر الله على حذف مضاف أي ذكرت عظمة الله وقدرته وما خوف به من عصاه.
{ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} الأحسن أن يكون الذين صفة للذين السابقة حتى يدخل في حيّز الجزية فيكون ذلك إخباراً عن المؤمنين بثلاث الصلاة القلبية وعنهم بالصفة البدنية والصفة المالية. وجمع أفعال القلوب لأنها أشرف وجمع في أفعال الجوارح بين الصلاة والصدقة لأنها عمود أفعال الجوارح.
والظاهر أن قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} عام في الزكاة ونوافل الصدقات وصلات الرحم وغير ذلك من المبارّ المالية.
{أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} حقاً نعت لمصدر محذوف تقديره إيماناً حقاً. ويجوز أن يكون توكيد المضمون الجملة السابقة فيكون العامل فيه محذوفاً تقديره أحقه حقاً. وهم في قوله: هم المؤمنون، يجوز أن يكون فصلاً بين المبتدأ والخبر وأن يكون مبتدأ خبره المؤمنون، والجملة خبر لأولئك، ويجوز أن يكون بدلاً من أولئك.
{لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} الآية، لما تقدمت ثلاث صفات قلبية وبدنية ومالية ترتب عليها ثلاثة أشياء فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية بالغفران وقوبلت المالية بالرزق الكريم وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع.