التفاسير

< >
عرض

وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ
٦٠
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٦١
وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٢
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٦٣
-الأنفال

النهر الماد

{وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} الآية، لما اتفق في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا تكميل عدة ولا آلة وأمره تعالى بالتشديد وبنبذ العهد للناقضين كان ذلك سبباً للأخذ في قتاله والتمالي عليه فأمره تعالى والمؤمنين بإِعداد ما قدروا عليه من القوة للجهاد والإِعداد الإِرصاد، وعلق ذلك بالاستطاعة لطفاً منه تعالى. والمخاطبون هم المؤمنون، والضمير في لهم عائد على الكفار المتقدمي الذكر وهم المأمور بحربهم في ذلك الوقت. والظاهر العموم في كل ما يتقوى به في حرب العدو والآلات كالرمي وذكور الخيل وقوة القلوب واتفاق الكلمة والحصون المشيدة وعدة الحرب وعددها والازواد والملابس الباهية، ورباط: جمع ربط. قال ابن عطية: رابط جمع ربط ككلب وكلاب، فلا يكثر ربطها إلا وهي كثيرة ويجوز أن يكون الرباط مصدراً من رباط كصاح صياحاً، لأن مصادر الثلاثي غير المزيد لا تنقاس. "انتهى". قوله: لأن مصادر الثلاثي غير المزيد لا تنقاس ليس بصحيح بل له مصادر منقاسة ذكرها النحويون.
وقوله: {مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} تفسير لما أبهم في قوله: ما استطعتم. وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر، قال:
"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا وانّ القوة الرمي" . فمعناه والله أعلم أن معظم القوة وأنكاها للعدوّ الرمي.
{تُرْهِبُونَ} تخوفون. وقرىء: ترهّبون بالتشديد.
{وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} الظاهر أنهم المنافقون لأنه قال: لا تعلمونهم، أي لا تعلمون أعيانهم وأشخاصهم إذ هم يتسترون عنكم أن تعلموهم بالإِسلام، فالعلم هنا كالمعرفة تعدى إلى واحد وهو متعلق بالذوات وليس متعلقاً بالنسبة.
{وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ} الآية، الضمير في جنحوا عائد على الذين نبذ إليهم على سواء وهم بنو قريظة والنظير، جنح الرجل إلى الآخر مال إليه، وجنحت الإِبل أمالت أعناقها في السير قال ذو الرمة:

إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنّح

أي مائلات وجنح يتعدى بإِلى وباللام. والسلم يذكر ويؤنث فقيل: التأنيث لغة. وقيل: على معنى المسالمة. وقيل: حملاً على النقيض وهو الحرب.
{وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} أي وان يريدوا أي الجانحون للسلم بأن يظهروا السلم ويبطنوا الخيانة، والغدر مخادعة.
{فَٱجْنَحْ لَهَا} فما عليك من نياتهم الفاسدة فإِن محسبك وكافيك هو الله تعالى ومن كان الله حسبه لا يبالي من نوى سوأ، ثم ذكّره بما فعل معه أولاً من تأييده بالنصر وبائتلاف المؤمنين على إعانته ونصره على أعدائه فكما لطف بك أو لا يلطف بك آخراً. والمؤمنون هنا الأوس والخزرج. وكان بين الطائفتين من العداوة للحروب التي جرت بينهم ما كان لولا الإِسلام لا ينقضي أبداً ولكنه تعالى منّ عليهم بالإِسلام فأبدلهم بالعداوة محبة وبالتباعد قرباً.
ومعنى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي على تأليف قلوبهم واجتماعها على محجة بعضها وكونها في الأوس والخزرج تظاهرت به أقوال المفسرين.