التفاسير

< >
عرض

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ
٥
يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ
٦
وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ
٧
لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ
٨
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
١٠
-الأنفال

النهر الماد

{كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} الآية، ذكر في البحر في تأويل هذه الآية خمسة عشر قولاً لم يتضح شىء منها ومن دفع إلى حوك الكلام وتقلب في إنشاء أفانينه وزوال الفصاحة والبلاغة لم يستحسن شيئاً من تلك الأقوال، وان كان بعض قائلها له إمامة في علم النحو ورسوخ قدم لكنه لم يتحنك بلوك الكلام ولم يكن في طبعه صوغه أحسن صوغ ولا التصرف في النظر فيه من حيث الفصاحة وما به يظهر الإِعجاز، وقيل تسطير هذه الأقوال في البحر وقفت على جملة منها فلم يَلْقِ بخاطري منها شىء فرأيت في النوم أني أمشي في رصيف ومعي رجل أباحثه في قوله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، فقلت له: ما مرّ بي شىء مشكل في القرآن مثل هذا، ولعل ثم محذوفاً يصح به المعنى وما وقفت فيه لأحد من المفسرين على شىء طائل، ثم قلت له: ظهر لي الساعة تخريجه وإن ذلك المحذوف هو نصرك، واستحسنت أنا وذلك الرجل هذا التخريج ثم انتبهت من النوم وأنا أذكره والتقدير فكأنه قيل: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، أي بسبب إظهار دين الله تعالى وإعزاز شريعته وقد كرهوا خروجك تهيباً للقتال وخوفاً من الموت إذ كان أمر عليه السلام بخروجهم بغتة ولم يكونوا مستعدين للخروج وجادلوك في الحق بعد وضوحه نصرك الله وأمدّك بملائكته. ودل على هذا المحذوف الكلام الذي بعده وهو قوله: إذ تستغيثون ربكم الآيات، ويظهر أن الكاف في هذا التخريج المنامي ليست لمحض التشبيه بل فيها معنى التعليل. وقد نص النحويون أنها قد يحدث فيها التعليل وخرّجوا عليه قوله تعالى: { وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ } [البقرة: 198]. وأنشدوا:

لا تشتم الناس كما لا تشتم

أي لانتفاء أن يشتمك الناس لا تشتمهم ومن الكلام الشائع في هذا المعنى كما تطيع الله عز وجل يدخلك الجنة أي لإِطاعتك الله يدخلك الجنة فكان المعنى لأجل أن خرجت لإِعزاز دين الله تعالى وقتل أعدائه نصرك الله وأمدّك بالملائكة. والظاهر أن من بيتك هو مقام سكناه بالمدينة لأنها مهاجرة ومختصة به.
والواو في: {وَإِنَّ فَرِيقاً} واو الحال ومفعول.
{لَكَارِهُونَ} هو الخروج أي لكارهون الخروج معك وكراهتهم ذلك اما لنفرة الطبع وإما لأنهم لم يستعدوا للخروج.
والظاهر أن ضمير الرفع في {يُجَادِلُونَكَ} عائد على فريقاً من المؤمنين الكارهين وجدالهم قولهم: ما كان خروجنا إلا للعير ولو عرفنا لاستعددنا للقتال والحق هنا نصرة دين الإِسلام. ويحتمل أن يكون يجادلونك في موضع الحال من الضمير في لكارهون. ويحتمل أن يكون استئناف اخبار وما في قوله: ما تبين مصدرية أي بعد تبينه وهذا أبلغ في الإِنكار لجدالهم بعد وضوح الحق كأنما يساقون إلى الموت شبه حالهم في فرط فزعهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة بمال من يشاق على الصغار إلى الموت وهو مشاهد لأسبابه ناظر إليها لا يشك فيها. وقيل: كان خوفهم لقلة العدد وانهم كانوا رجالة. وروي أنهم ما كان فيهم إلا فارسان وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر، وكان المشركون في نحو ألف رجل وقصة بدر هذه مستوعبة في كتب السير.
{وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ} هي غير معيّنة. والطائفتان هما طائفة غير قريش وكانت فيها تجارة عظيمة لهم ومعها أربعون راكباً فيها أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام، وطائفة الذين استنفرهم أبو جهل وكانوا في العدد الذي ذكرناه وغير ذات الشوكة هي الغير لأنها ليست ذات قتال وإنما هي غنيمة باردة. ومعنى إحقاق الحق تبيينه وإعلاؤه. وبكلماته بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر لملائكة من نزولهم للنصرة وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر وبما أظهر من خبره صلى الله عليه وسلم وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال، والمعنى أنكم مرغبون في الفائدة العاجلة وسلامة الأحوال والله تعالى يريد معالي وإعلاء الحق والفوز في الدارين وشتان ما بين المرادين ولذلك اختار لكم ذات الشوكة وأراكهم عياناً خذلهم ونصركم وأذلهم وأعزكم وحصل لكم ما أربي على فائدة العير وما أدناه وأقله هو خير منها.
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} إذ بدل من إذ يعدكم؛ واستغاث طلب الغوث لما علموا أنه لا بد من القتال شرعوا في طلب الغوث من الله تعالى والدعاء بالنصرة. والظاهر أنه خطاب لمن خوطب بقوله: وإذ يعدكم الله وتودون. وان الخطاب في قوله: كما أخرجك. ويجادلونك هو خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك أفرد فالخطابان مختلفان. واستغاث يتعدى بنفسه كما هو في الآية وكما هو في قوله:
{ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ } [القصص: 15]. ويتعدى بحرف الجر كما جاء في لفظ سيبويه في باب الاستغاثة، وكقول الشاعر:

حتى استغاثت بما لا رشاء له من الأباطح في حافاته البُركُ

والظاهر أن قراءة من قرأ مردفين بسكون الراء وفتح الدال أنه صفة لقوله: بألف أي أردف بعضهم ببعض.
{وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ} الضمير في وما جعله عائد على الامداد المنسبك من أني ممدكم. وتقدم تفسير نظير هذه الآية، والمعنى إلا بشرى لكم فحذف لكم وأثبت في آل عمران لأن القصة فيها مسهبة وهنا موجزة فناسب هنا الحذف وهنا قدم به وأخر هناك على سبيل التفنن في الفصاحة والاتساع في الكلام وهنا جاء أن الله عزيز حكيم رعاية لأواخر الآي وهناك ليست آخر آية لتعلق ليقطع بما قبله فناسب أن يأتي العزيز الحكيم على سبيل الصفة وكلاهما مشعر بالعلية كما تقول: أكرم زيداً العالم، وأكرم زيداً أنه عالم.