التفاسير

< >
عرض

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ
٦
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ
٧
-التوبة

النهر الماد

{فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} الظاهر أن هذه الأشهر هي التي أبيح للناكثين ان يسيحوا فيها، ووصفت بالحرم لأنها محرم فيها القتال، وتقدم ذكر الخلاف في ابتدائها وانتهائها، وإذا تقدمت النكرة وذكرت بعد ذلك فالوجه ان يؤتى بالضمير نحو: لقيت رجلاً فضربته. ويجوز أن يعاد اللفظ معرفاً بأل نحو: لقيت رجلاً فضربت الرجل. ولفظ حيث وجدتموهم عام في الأماكن من حل وحرم.
{وَخُذُوهُمْ} عبارة عن الأسر والأخيذ الأسير، ويدل على جواز أسرهم.
{وَٱحْصُرُوهُمْ} قيدوهم وامنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين. وقيل: استرقوهم وحاصروهم ان تحصنوا. قال القرطبي في قوله: واقعدوا لهم كل مرصد، دلالة على جواز اغتيالهم قبل الدعوة، لأن المعنى اقعدوا لهم مواضع الغرة، وهذا تنبيه على أن المقصود إيصال الأذى إليهم بكل طريق، اما بطريق القتال، أو بطريق الاغتيال. وقد أجمع المسلمون على جواز السرقة من أموال أهل الحرب، واستلال خيلهم وإتلاف مواشيهم إذا عجزوا عن الخروج بها إلى دار الإِسلام إلا أن يصالحوا على مثل ذلك. قال الزمخشري: كل مرصد، كل ممرّ، ومجتاز ترصدونهم فيه وانتصابه على الظرف كقوله:
{ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } [الأعراف: 16]. "انتهى". وهذا الذي قاله الزجاج قال: كل مرصد، ظرف كقولك: ذهبت مذهباً.
ورده أبو علي لأن المرصد: المكان الذي يرصد العدو فيه، فهو مكان مخصوص لا يحذف الحرف منه إلا سماعاً، كما حكي سيبويه: دخلت البيت، وكما: عسل الطريق الثعلب. "انتهى".
وأقول: يصح انتصابه على الظرف لأن قوله: واقعدوا لهم، ليس معناه حقيقة القعود بل المعنى ارصدوهم في كل مكان يرصد فيه ولما كان هذا المعنى جاز قياساً أن يحذف منه في، كما قال: وقد قعدوا إيقافها كل مقعد. فمتى كان العامل في الظرف المختص عاملاً من لفظه أو من معناه جاز أن يصل إليه بغير واسطة في، فيجوز: جلست مجلس زيد، وقعدت مجلس زيد، تريد في مجلس زيد فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان بمعناه فكذلك إلى الظرف. وقال الأخفش: معناه على كل مرصد فحذف على واعمل الفعل وحذف على ووصول الفعل إلى مجرورها فينصبه، يخصّه أصحابنا بالشعر وأنشدوا قول الشاعر:

تحن فتبدي ما بها من صبابة وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني

أي لقضى علي.
{فَإِن تَابُواْ} أي عن الكفر والغدر. والتوبة تتضمن الإِيمان وترك ما كانوا فيه من المعاصي.
{فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} كناية عن الكف عنهم وإجرائهم مجرى المسلمين في تصرفاتهم حيث ما شاؤا ولا يتعرض لهم.
{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ} الآية، الظاهر أنها محكمة. وعن ابن جبير قال: جاء رجل إلى عليّ كرم الله وجهه فقال: ان أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء الأجل ليسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل. قال: لا، لأن الله تعالى قال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} الآية، ولما أمر تعالى بقتل المشركين حيث وُجدوا وأخذهم وحصرهم وطلب غَدّتهم ذكر لهم حالة لا يقتلون فيها ولا يؤخذون وهي إذا جاء واحد منهم مسترشداً طالباً للحجة والدلالة على ما تدعو إليه من الدين، فالمعنى وان أحد من المشركين استجارك، أي طلب منك أن تكون مجيراً له وذلك بعد انسلاخ الأشهر ليسمع كلام الله تعالى، وما تضمنه من التوحيد ويقف على ما بعثت به فكن مجيراً له حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر.
{ثُمَّ أَبْلِغْهُ} داره التي يأمن فيها ان لم يسلم، ثم قاتله إن شئت من غير غدرٍ ولا خيانة.
{ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} أي ذلك الأمر بالإِجارة وإبلاغ المأمن بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإِسلام وما حقيقة ما تدعو إليه، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويتفهموا الحق.
{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ} الآية، هذا استفهام معناه التعجب والاستنكار والاستبعاد، وفي الآية إضمار أي كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر والنكث. والاستفهام يراد به النفي كثيراً. قال الشاعر:

فهذي سيوف يا هُدَيَ بن مالك كثير ولكن كيف بالسيف ضارب

أي ليس بالسيف ضارب.
ولما كان الاستفهام معناه النفي صلح مجيء الاستثناء وهو متصل. وقيل: منقطع، أي لكن الذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام. وقال ابن عباس: هم قريش. وقال السدي: بنو خزيمة بن الدئل. وقال ابن إسحاق: قبائل بني بكر كانوا دخلوا وقت الحديبية في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش. كيف في موضع نصب خبرا ليكون. وعهد اسم يكون. والظاهر أن ما مصدرية ظرفية، أي استقيموا لهم مدة استقامتهم، وليست شرطية. وقال أبو البقاء: هي شرطية كقوله تعالى:
{ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } [فاطر: 2]. "انتهى". فكان التقدير ما استقاموا لكم من زمان فاستقيموا لهم. وقال الحوفي: ما شرط في موضع رفع بالابتداء، والخبر استقاموا، ولكم متعلق باستقاموا.
{فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} الفاء جواب الشرط. "انتهى". فكان التقدير فأي وقت استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم. وإنما جوّز أن تكون شرطية لوجود الفاء في فاستقيموا لأن المصدرية الزمانية لا تحتاج إلى الفاء.