التفاسير

< >
عرض

آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ
٩١
فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ
٩٢
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٩٣
-يونس

تيسير التفسير

{الآنَ} آمنت أَو الآن تؤمن، وهذا توبيخ والماضى اعتبارا لإِيمانه الصادر عند المشاهدة والمضارع لحكايته أَو لاستمراره عليه إِلا أَنه لا يقبل ويجوز تقدير ذلك مؤخرا للحصر كأَنه قيل ما آمنت أَو ما تؤمن إِلا الآن حين أيست وشاهدت ولم يبق لك اختيار، ولم يك ينفعهم إيمانهم لما رأَوا بأْسنا، وأَما قوله فلم يؤمنوا عند المشاهدة وإِن آمنوا فإِنهم لم ينطقوا، ويقدر القول هكذا قال جبريل عن الله الآن، أَو قال ميكائِيل أَو قال الله تعالى أَو قيل آلآن {وَقَدْ عَصَيْتَ} الله {قَبْلُ} فى عمرك من حين كلفت بادعاءِ الأُلوهية وسائِر المعاصى والواو للحال {وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} بأَنواع الضلال فى نفسك والإِضلال لغيرك، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنه قال: "قال لى جبريل لو رأَيتنى يا محمد وأَنا أَدس فى فم فرعون من الطين الأَسود المنتن من البحر مخافة أَن تناله الرحمة بنطقه بالتوحيد" ، فيشكل بأَنه قد نطق به فما نفع هذا الدس، ويجاب بأَنه لم يفصح بلا إله إِلا الله بل قال الذى آمنت به إِلخ، ويدل له رواية مخافة أَن يقول لا إله إِلا الله، وهذا اللفظ لم يقله وعلى فرض أَنه يكفى فى الإِفراد لكن لم يزد موسى رسول الله، ويستشكل بأَن فى الدس منعا عن التوحيد وإِبقاءً على الإِشراك ويجاب بأَن لله أَن يفعل ما يشاءُ، وجبريل لم يفعل إِلا بأَمر الله، وذلك كسائِر تسليط الله على الشقى ما يمنعه عن التوحيد من قتل أَو عيره، ولا بعد الشروع وبأَن ذلك حين لا ينفعه الإِيمان لمشاهدته، فذلك كقوله لأَهل النار فيها اخسئُوا فيها إِلخ، ويستشكل بأَن قول جبريل مخافة أَن تناله الرحمة يفيد أَنه لو أَتى بالتوحيد على وجه تام لكفاه، ويجاب بأَنه قال ذلك لأَنه لا يدرى لعله أَحدث بعد ذلك أَمرا، ولمزيد بغضه له، وبهذا يجاب عن أَن يقال إِن كان لا ينفعه فما فائِدة الدس وفى الدس تحقيق واستعجال لما قضى من شقوته، وإِنما قدرت قال جبريل أَو ميكائِيل عن الله آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، لقوله تعالى:
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبِدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيةً وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} لأَن هذا آخر المقول وهو بالله أَنسب لا يثبت لغيره إِلا باعتبار أَنه عن الله عز وجل، قال ابن عباس إِن بعض بنى إِسرائِيل شكوا فى موت فرعون، ويقال أَيضا أَنهم قالوا ما مات، وذلك لعظمه فى قلوبهم فنجاه الله بعد موته من الغيبة فى الماءِ بإِظهاره على ساحل البحر بدنا بلا روح، أَو بلا لباس كما قال ببدنك أَحمر قصير، أَحمر كأَنه ثور فعرفوه، قيل ومن ذلك لا يقبل الماءُ ميتا أَبدا قلنا بل يقبله قبل وبعد، وإِذا انتفخ طفا على الماءِ لتجوفه، وعرفه الجاهل أَنه ليس إِلها لأَن الإِله لا يموت، وبعد رؤيته رجع فى البحر بالماءِ أَو أَكلته الدواب والطير، وقيل ببدنك بدرعك والبدن يطلق على الدرع العظيمة الكمين، كانت له درع من ذهب مرصعة بجواهر، وقيل من حديد بسلاسل ذهب يعرف بها يصدق لها بموته من ظن أَنه لم يغرق أَو أَنه لا يموت فى الماءِ، والباءُ صلة، وبدن بدل من الكاف، وقال السمين تلميذ أَبى حيان فى مصر إِنها سببية مجازا لأَن بدنه سبب فى تنحيته ليرى أَو للمصاحبة على أَن البدن الدرع أَم قيل هى للآلة على وزان قولك أَخذته بيدك ونظرته بعينك، وكذا هى للمصاحبة إِذا فسر بالجسم أَى بجسمك فقط لا مع روحك تخيبا عن طعمه فى أَن ينجو حيا، ومن خلفك بنو إِسرائيل المكذبون موسى فى قوله إِن فرعون مات ومن بعدهم إِلى آخر الدهر يشاهده من يشاهده على الساحل ما دام عليه ويسمع به غيره ويعرفون أَن دعواه الأُلوهية باطلة ولا تصح لغير الله عز وجل فينزجروا عن دعوى الأُلوهية والإِفساد ولو بلغوا ما بلغوا كفرعون أو فوقه غار النيل فقال قومه: أَجره لنا. فقال ثلاثاً لست براض عنكم، فأَتوه مرة أُخرى فقالوا هلكت البهائِم والصبيانِ والأَبكار وإِن تجره عبدنا إِلهاً غيرك، فأَمرهم بالخروج إِلى الصعيد واعتزل عنهم فيه وأَلصق خده وقال: اللهم خرجت إِليك خروج العبد الذليل إِلى سيده، وعلمت أَنه لا يجريه غيرك فأَجره وأَخر عذابى للآخرة، فأَجراه الله عز وجل فسجدوا لفرعون إِذ قال أَجريته لكم، فقال له: جبريل لى عبد ملكته عبيدى وأَعطيته مفاتيح خزائِنى وعادانى ومن أَحببت وأَحب من عاديت، فقال: لو كان لى لأَغرقته فى القلزم مقروناً بخابية ملح مختوم عليها، فقال: جبريل اكتب لى فكتب: يقول أَبو العباس الوليد بن مصعب جزاءُ الخارج عن سيده الكافر نعمائِه أَن يربط بخابية مملوءَة ملحاً مختوم عليها ويغرق بالقلزم، ولما أَغرق أُحضر له جبريل ما كتب على نفسه، وكونه بالساحل آية وبرهان على أَن الأُلوهية لا تصح لغير الله، وزجر عن قوله وفعله وإِظهار لموته، وقد قيل: ننجيك نحملك بنجوة من الأَرض وهو المكان المرتفع يرى فيه ولا يخفى عن المار، وذكر بعد نعمة الإِنجاء وإِغراق العدو نعمة أُخرى ضمها إِليها، فقال:
{ولقدْ بَوَّأْنَا} أَنزلنا {بَنِى إِسْرَائِيلَ مُبوَّأَ} منزل {صِدْقٍ} وهو المنزل المحمود، والعرب إِذا مدحت شيئاً أَضافته إِلى الصدق، وتقول رجل صدق وقدم صدق فقد يرى الأَمر. بظاهره الخير وهو ما بخلاف ذلك، ويعتبر ماله هل هو بحسب ما يظن فيه فيقال شاة صادقة إِذا تحقق سمنها كما ظهر منها، قال الله عز وجل
" { رب أَدخلنى مدخل صدق وأَخرجنى مخرج صدق } "[الإِسراء: 80] ومبوأُ اسم مكان ميمى وهو الشام ومصر لبنى إِسرائيل الذين فى زمان موسى على المختار عندهم، وفيه أَن بنى إِسرائِيل لم يدخلوا الشام فى حياة موسى عليه السلام على ما شهر، فيحتاج فى ذلك إِلى تكلف أَبنائِهم بأَن المن على الأَنبياءِ من على الأَبناءِ كما نسب كثيراً فى القرآن إِلى الأَبناءِ ما للآباءِ، وقد قيل أَيضاً أَن بنى إِسرائِيل لم يسكنوا مصر بعد هلاك فرعون، بل رجعوا إِلى الشام وأَخذوا معهم يوسف من قبره، وقيل مبوأَ صدق مصر على أَنهم سكنوا بعد فرعون وأَخذوا جميع ما لهم من الدور والأَجنحة والأَنعام والأَرضين والحيوان. قال بعض: وذهب وفضة، وقيل: الشام والقدس والأَردن لأَنها بلاد الخصب والخير والبركة، وقيل: بنو إِسرائيل من كان منهم فى أَعمال المدينة قريظة والنضير وبنى قينقاع أَنزلهم ما بين المدينة والشام ورزقهم من الطيبات النخل والرطب والتمر الذى لا يوجد مثله فى البلاد {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} اللذائِذ مما فى مصر والشام أَو ما بين الشام {فَمَا اخْتَلَفُوا} بالإِيمان والكفر وسائِر أَمر دينهم {حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} فى التوراةِ، وعرفوا الحق والباطل طلبوا الرياسة وبغى بعض على بعض وتقاتلوا تعسفا بالتأويل وتعصباً للمذاهب، حتى كانوا اثنتين وسبعين فرقة بعد التوراة وهم من بقى من بنى إِسرائيل بعد فرعون ونسلهم، وقيل كانوا قبل موسى على الكفر وهو قول ظاهر البطلان، وقيل بنو إِسرائيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على التصديق به صلى الله عليه وسلم لما يجدونه فى التوراة والإِنجيل وغيرهما، ولما جاءَهم العلم وهو القرآن والمعجزات كفر الأَكَثرون وأَمن الأَقل وكانوا قبله يهددون به العرب إِذا ضروهم، قالوا: قرب مبعث نبى نقاتلكم معه، ويجوز أَن يكون العلم على هذا هو التوراة ونحوها لأَنه مذكور فيها بأَوصافه وسميت أَلفاظ التوراة والقرآن علماً لأَنها سببه ومتضمنة له، وقال الفراءُ: العلم بمقتضى المعلوم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أَمر الدين بإِهلاك الضال وإِنجاءِ المهتدى.