التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
٣
وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٤
-الرعد

تيسير التفسير

{وَهُوَ الَّذِى مَدَّ الأَرْضَ} بسطها لمصلحة العباد قال صلى الله عليه وسلم: " "أَول بقعة وضعت من الأَرض موضع البيت ثم مدت منها الأَرض، وأَول جبل وضعه الله تعالى على وجه الأَرض أَبو قبيس ثم مدت منه الجبال" وليس المد مشعرا بالطول العظيم كما قيل وإنما الطول القصر من خارج، والآية دليل على أَن الأَرض بسيطة، وكذا قوله: " { والأَرض بعد ذلك دحاها } "[النازعات: 30] ومثله ولا داعى أنها كرة وأن ما يظهر من بسطها إنما هو لعظمها حتى أن كل قطعة منها تشاهد سطحها، ودلائِل الفلاسفة فى ذلك كله مدخولة، ثم إن ظاهر قوله: {مد الأرض} أن الأَرض موجودة بلا مد ثم أَوقع عليها المد، ولا مانع من ذلك، وعلى أنها خلقت بسيطة من أَول الأَمر فالمعنى أَن البسط الذى فيها من أول وجودها فعل الله عز وجل - أَو خلقها بسيطة كضيق فم البئْر {وَجَعَلَ} خلق أَو وضع {فِيهَا رَوَاسِىَ} أَى جبالا ثوابت تمنعها من الحركة، والمفرد راس كقاض وجمع على فواعل مع أنه مذكر لأنه غير عاقل، قال الجار بردى: يجمع فاعل مذكر غير عاقل على فواعل قياسا مطردا، ومن خصه بالمؤنث قال جمع راسية أَى راسية مفرداً بتاءِ المبالغة فى الرسوخ {وَأَنْهَاراً} ينزل ماؤها من السماءِ كما ترى نقص ماءِ العيون بقلة المطر وكثرته لكثرته، ويكفى فى ذكرهما مع الجبال أَن فاعلهما واحد وهو الله - جل وعلا - والجامع خيالى كقوله تعالى: " { وإِلى الجبال كيف نصبت، وإِلى الأَرض كيف سطحت } "[الغاشية: 19 - 20] وأَيضا الجامع التضاد فإِن العيون تسيل بالماءِ والجبال ثوابت، ولا حاجة إلى ما ذهب إليه بعض الحكماءِ من أَن الجبال لتركبها من أَحجار صلبة إِذا تصاعدت إليها الأَبخرة احتبست فيها فتكاملت فتنقلب مياهها إلى خارج عنها، وربما خرقتها فخرجت منها مع أَنه كلام فاسد سيحان وجيحان والفرات والنيل من الجنة كما رواه مسلم عن أَبى هريرة مرفوعا، والأَولان فى أرض الأَرمن، جيحان نهر المصيصة، وسيحان نهر أَدنة، وسيحون نهر الهند وهو أربعمائِة فرسخ ينصب فى بحر الحبشة، وسيحون نهر بلخ يجرى إلى خوارزم ويتفرق فى أماكن، وباقيه إلى البحر الذى عليه الجرجانية، وذكر بعض أَن الأَنهار مائة وستة وتسعون {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} من كل متعلق بمحذوف حال من زوجين، أو يجعل أَى وجعل فيها زوجين اثنين من كل الثمرات، والزوجان النوعان، أَو عطف على رواسى أَو أَنهارا، كأَنه قيل: وجعل أَنواعا من الثمرات، فيكون قوله: جعل فيها، مستأْنفا بعده، والزوج الفرد المقابل للآخر كذكر وأنثى، والنعلين، وفى الآية الحلو والحامض، والأَسود والأَبيض والأَصفر مع أًحدهما والآخر مع أحدهما ونحو ذلك، والحار والبارد واختلاف الروائح، والصغير والكبير، أو جعل فيها زوجين زوجين من أَنواع الثمرات حين مدها ثم تشعبت وتكاثرت وتنوعت، والقول بأَن الثمرات فى أَصلها صنف ثم تشعبت فصارت أَصنافا كثيرة بعيد، والوصف بالاثنين للتنبيه على أَن القصد إلى الأَفراد لا إِلى الماهية، والمراد أَقل ما يكون، وإلا فلا انحصار فى الاثنين كأَبيض حلو بارد كبير، وأسود مر حار صغير {يُغْشِى الَّليْلَ النَّهَارَ} يجعل الله الليل غاشيا النهار يستره بظلمته، والنهار أيضا غاشيا لليل يستره بنوره، وإنما لم نحمل الآية عليه لأن الأَنسب بالليل أن يكون هو الغاشى ولأَنه إذا لم يكن دليل على أن المقام مقام التأخير أَبقى على حاله، ولا دليل هنا على أَن الليل مفعول ثان والنهار مفعول أَول فاعل فى المعنى فضلا عن أَن يقال: المعنى يجعل الله النهار غاشيا الليل، أَو شبه النهار برجل ورمز إليه بِإِلباس اللباس فتكون الاستعارة مكنية، وهذه الآية تكونت بالسماءِ، ولكن الأَثر فى الأَرض بزوال الضوء وحلول الظلمة فجعلت فى آيات الأَرض، والمشهور أَن النهار زمان ظهور الشمس وانتشار الضوءِ، وقيل: الضوءُ والليل زمان غروبها، وقيل: نفس الظلمة، والغشى هنا التعرض كقوله: " { وإِذا غشيهم موج } "[لقمان: 32] {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فى المخلوقات فيستدلون بالأَثر على المؤثر، والفكر تصرف القلب فى الأَشياءِ المعقولة أَو ترتيب أمور معلومة ليتوصل بها إلى إدراك المجهول، ويقال: الفكر قوة توصل إلى إدراك المجهول، والتفكر استعمالها بحسب نظر العقل، ولايكون ذلك إلا فيما له صورة، وجاءَ الحديث: " تفكروا فى المخلوق ولا تتفكروا فى الخالق" والله لا يوصف بصورة، والجاهل يتفكر فيه من حيث إنه شىءٌ متصف بصفات فيتوهم أنه يوصف بها - تعالى الله:
{وَفِى الأَرْضِ قِطَعٌ} جمع قطعة بكسر فإِسكان بمعنى بقعة {مُتَجاوِرَاتٌ} تخالفت مع تجاورها، بعضها كريمة التربة كثيرة النبات حسنة وافرة النفع، وبعضها سبخة قليلة النبات والنفع، أَو عديمتها، وبعض رخوة، وبعض صلبة، وبعض يصلح للزرع كالرخوة التامة دون الشجر، وبعض بالعكس كالصلبة، وبعض قليل المطر كهضاب وبعض كثيره، وذلك فعل للفاعل الذى يختار بعض الجائزات عن بعض سبحانه وتعالى، وإلا لتساوت لأَنها كلها أرض بسيطة متحدة المادة فلا تتفاوت بالذات بل باختيار القادر {وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ} أَشجار الزبيب خصها بالذكر دون سائِر الأشجار كالتين لأَن ثمارها أَشهى للعرب من غيرها وسهولة أَكلها وحصول الخل منها أَكثر وأَسهل من غيرها {وزَرْعٌ} لم يقل زروع لأَنه فى الأَصل مصدر يصلح للكثير كما يصلح للقليل {وَنَخِيلٌ صِنوَانٌ} ثلاث فصاعدا مقترنات أَصلهن واحد وكل واحدة صنو، وأَصل الصنو المثل {وِغَيْرُ صِنْوانٍ} ثلاث فصاعدا كل واحدة بأَصل على حدة فيبقى نخلتان أصلهما واحد لم يذكرهما الله - عز وجل - لأَنهما تعلمان بالقياس والمشاهدة، أَن نقول الجمعان أطلقا على اثنتين فصاعدا، أو نقول: صنوان يشمل الاثنتين على حدة والثلاث على حدة، مثلا اثنتان بأَصل واحد وثلاث بأصل واحد فذلك خمس كلهن صنوان، كما شمل الثلاث فصاعدا على حدة باعتبار دون اعتبار الاثنتين وذلك مما اتحد مثناه وجمعه فى حال الرفع ولا فرق فى اللفظ إلا بالتنوين وضم النون وفتحها فى الجمع وإثباتها مع الإضافة فيه، ويقال أيضاً ريد وريدان بمعنى مثل وحشن وحشنان للبستان، وشفد وشفدان، وذكرهما سيبويه ولا خامس لهن {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} من عين أو مطر أو بئْر أًو بعروقها، ولا تخرج الشاربة بعروقها عن ذلك، أو يجمع ذلك أو بعضه فيهن، وعلى الاجتماع تكون المياه المجتمعة كشىءٍ واحد كما مر مثله فى سورة البقرة {ونُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الأُكُلِ} نفضل بعض النخلات المسقية بماءٍ واحد فى مأكولها وهو الثمار، وذلك التفضيل جعل طعم بعض أَفضل من طعم بعض وبعض أفضل رائحة من بعض وشكل بعض أحسن من شكل آخر، وبعض أكبر من بعض وكذلك فى الحبوب والثمر والبقول، وخص المأكول بالذكر لأنه أشدها نفعاً وإلا فكذلك يفرق بالحموضة والمرارة والعفونة والماء واحدة، وفى تفضيل بعض على بعض مع اتحاد الماءِ دليل على قدرة خالقها، واختياره لما أراد من الجائِزات، ومن ذلك أَن البشر من آدم كالأَرض للثمار للماءِ وتذكرتهم واحدة، وحسنت نفوس بعض وخبثت نفوس بعض، قال الحسن: والله ما جالس أحدكم القرآن إِلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قال الله سبحانه وتعالى:
" { وننزل من القرآن } " [الإسراء: 82] إلى خسارا، {إِنَّ فَى ذلِكَ} أى ما ذكر كله من الاختلاف أَو من تخالف الأَرضين وتخالف ثمارها المسقية بماءٍ واحد، وهذا أَولى لأَن ما قبله قد ذكر له قوله:{ لقوم يتفكرون } {لآيَاتٍ} كثيرة عظيمة فالتنكير لذلك وفى للتجريد بمعنى أنهن فى عظمهن بحيث يتولد منهن آيات أخر أو يشار إلى الأحوال الكلية والآيات أفرادها الحادثة شيئاً فشيئاً فى الأَزمنة والأَمكنة فلا تجريد، ولكن لا وجود للكلى إلا فى ضمن الجزئى فلا يكون مشارا إليه من حيث هو هو {لِقَوْمٍ يعْقِلُونَ} يستعملون قوة عقولهم فينتفعون، ولا مفعول له لأَنه ليس المراد يعقلون كذا بل استعمال قوة عقولهم، وقال هنا يعقلون، وهناك يتفكرون للتفنن، ولأَن الاستدلال باختلاف النهار أَسهل، والتفكر سبب للتعقل، والسبب مقدم على المسبب، ومن ذلك أنه تنبت من أسفل الحبة عروق لأَسفل ومن أَعلاها أوراق وأَغصان، وبعضها خشب وبعضها نور، وبعضها ثمر، فما هذا الاختلاف مع اتحاد طبيعة الحبة والأرض والحر والبرد إلا بفاعل مختار، وانظر الجوزة أعلاها قشرة تحته قشرة تحيط باللب تحت ذى قشرة فى غاية الرقة حال رطب الجوز، وإلى العنبة جلدها وعجمها باردان يابسان ولحمها وماؤها حاران رطبان، قيل:

والأَرض فيها عبرة لمعتبر تخبر عن صنع مليك مقتدر
تسقى بماءٍ واحد أَشجارها وبقعة واحدة قرارها
والشمس والهواء لم يختلفا وأكلها مختلف ما ائتلفا
لو أن ذا من عمل الطبائع أَو أَنه صنعة غير الصانع
لم يختلف وكان شيئاً واحدا هل يشبه الأَولاد إلا الوالدا
الشمس والهواءُ يا معاند والماءُ والتراب شىءٌ واحد
فما الذى أَوجب ذا التفاضلا إِلا حكيم لم يرده باطلا