التفاسير

< >
عرض

يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ
١٧
-إبراهيم

تيسير التفسير

{يَتَجَرَّعُهُ} يعالج أَن يبلعه لحرصه على الشراب، ولا ينفعه أَو يجبر على بلعه مرة بعد أُخرى، أَو يطاوع التجريع أَو يتمهل فى الجرع شيئاً فشيئاً، والجرع حال من ضمير يسقى، أَو نعت لماءِ أَو حاله، أَو نعت لصديد، أَو مستأْنف للبيان كأَنه قيل: ما حاله مع مرارته وحرارته ونتنه وخبثه؟ فقال: يتجرعه. {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} يجيزه فى حلقه بالبلع، فهو يشربه بالقهر مع بعد ذلك فى الطبع يغصه فى حلقه ثم يصل بطنه ويذيب أمعاءَه، كما قيل: يعرض عليه ولا يشربه، وقد قيل: المعنى يكاد لا يسيغه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى الآية: " يقرب إٍلى فيه فيكرهه، فإِذا أُوتى منه شوى وجهه، ووقعت جلدة رأَسه، فإِذا شربه قطع أَمعاءَه حتى تخرج من دبره" ، " { وسقوا ماءً حميماً فقطع أَمعاءَهم } " [محمد: 15] " { وإِن يستغيثوا } "[الكهف: 29] الاية " { يصهر به ما فى بطونهم } "[الحج: 20] فذلك دليل على وصوله أَو وصول بعضه جوفه بالإِساغة قهراً، أَو يؤول لا يسيغه بلا يستطيبه كما قيل: لأَن انتفاءَ الاستطابة متعين، وانتفاءَ قربها متعين، أَو الإِساغة، البلع مع استطابة {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ} أَسباب الموت من الغص فى حلقه وإِذابة أَمعائه فيطول عذابه بلا انقطاع {مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} من كل نوع من أَنواع العذاب التى لو كانت فى الدنيا لمات، أو تحيط به من جميع الجهات الست، أو من كل مكان من جسده من كل شعرة ومن إِبهام رجليه إلى شعر رأسه، والتعميم أَولى، ومنه أَن يعلق نفسه من حلقومه فلا تخرج من فيه فيستريح ولا ترجع لموضعها فيهنأَ بها {ومَا هُوَ بِمَيِّتٍ} مع وجود أَسباب الموت كلها فلا استراحة لهم {وِمنْ وَرَائِهِ} خلفه أَو قدامه أَو بعد حاله، ويجوز رد الضمير للماءِ {عَذَابٌ غَلِيظٌ} من ضرب بمقامع من نار والإِحراق بالنار والزمهرير والجوع ووجع الأَسنان، وعذاب بعد عذاب بلا نهاية، وازدياد العذاب أَبدا والخلود، وقيل: حبس النفس فى الحلق، وقيل: قوله: واستفتحوا إِلى هنا فى قريش طلبوا السقى فى سنى المجاعة كما مر فخابوا، وعوضهم صديد النار وأَنواع عذابها.