التفاسير

< >
عرض

وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً
٧٦
-مريم

تيسير التفسير

{ويزيدُ الله الَّذينَ اهْتَدوا هُدًى} عطف قصة على أخرى لبيان حال المهتدين أشر بيان حال الضَّالين، ولا يقال عطف على قوله: " { فليمدد له الرحمن مداً } " [مريم: 75] رابطا عائداً الى المبتدأ، وهو من ولا معنى للعطف أيضا، لأنه لا يصح أن يكون فى موضع المعطوف عليه، إذ لا يتجه أن يقال من كان فى الضلالة، يزيد الله الذين اهتدوا هدى، اللهم إلا إن اعتبر معنى قولك من كان فى الضلالة، زيد فى ضلالة، وزيد فى هداية أعدائه، لأنه مما يغيظه، ولا يخفى بعد ذلك، وعدم تبادره وإلا أن يعتبر الوجه المرجوح، وهو أن لا يعود الضمير من الجواب الى اسم الشرط بأن الراجح عوده، فقولك من قام فانى مكرم له أولى من قولك من قام، فزيد قائم وكلاهم جائز.
ولا ضعف فى قولنا عطف قصة على أخرى، مثل أن تعطف على مجموع من كان فى الضلالة الخ فيتم التقابل، لأنه أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم عن قولهم أى الفريقين، كأنه قيل: قل من كان فى الضلالة من الفريقين، فليمدد له الله تعالى، وينفس فى حياته ليزيد فى الغى، ويجمع له عذاب الدارين، ومن كان فى الهداية منهما يزد الله تعالى هداته، ويجمع له خير الدارين.
{والباقيات الصالحات} الأعمال الباقيات الصالحات مطلقاً، وقيل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر {خَيْر عنْدَ ربِّك ثَواباً} من مال الكفار، وما يفتخرون به، أو مما يعده الكفار ثواباً لهم فى الآخرة، وهو أن ينفعهم ما يعبدون، أو سمى عقابهم ثواباً تهكماً بهم، وجعل ثواب المسلمين خيراً منه، على أن معنى ثوابهم فى حسنه أشد من عقابهم سوئه، ولا إشكال فى ذلك، فان فى العذاب شدة كما فى الثواب، فقال: شدة الثواب أعظم من شدة العقاب، بناء على أن رحمته سبقت غضبه، فتبنى على ذلك شدة كقولك: الخل أحمض من العسل، بمعنى أنه فى حموضته أشد من العسل فى حلاوته.
وكذلك الإسلام فى حسنه أشد من الكفار فى قبحه، ويقرب من ذلك قوله تعالى:
" { أذلك خير أم جنة الخلد } " [الفرقان: 15] وجعل بعضهم الآية من باب يوسف أحسن الإخوة، بمعنى أن لهم زيادة فى الخير بقطع النظر عن الكفر، وعدم اعتباره، وهذا فى آية السورة هذه، وليس كذلك، بل يوسف أحسن الإخوة، يحتاج الى ما قلنا فى الآية، أو تأويل أحسن بحس، أو خير جاء على طريق المشاكلة لقولهم شر مكاناً.
{وخيرٌ مَرداً} فيه ما فى الذى قبله، والمراد المرجع والعاقبة، وهو الخير الدائم وعاقبة الكفر الشر اللازم، والجملة ليست من مقول القول لقوله: {عند ربك} وفيها تتميم لقوله تعالى: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدًى} وتسلية عن مفاخرة الكفار كما أن قوله تعالى: {حتى إذا رأوا} الى قوله: {جنداً} تتميم لوعيدهم، وكلاهما تتميم للأمر بالجواب عن قولهم، أى الفريقين، وقيل الجملة من مقول القول وعند ربك خطاب منه صلى الله وسلم لبعض الكفار، وكلهم ذلك البعض على سبيل البدلية.