التفاسير

< >
عرض

وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ
١٦٣
إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
١٦٤
-البقرة

تيسير التفسير

{وَإِلَٰهُكُمْ} معشر الخلق، الأجسام والأعراض، العقلاء وغيرهم، الحيوان والجماد، بتغليل العقلاء، ويختص بهم ما يناسبهم بعد ويتجدد لهم معرفته أنه لغيرهم أيضاً، وقيل الخطاب للعقلاء، وقيل لقريش القائلين: صف لنا ربك يا محمد، ويلحق بهم غيرهم، وزعم بعض أنه للكاتمين {إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ} أى أن الذى يستحق العبادة عنكم إله واحد، فى ذاته، لا يتجزأُ فى صفاته وأقواله وأفعاله، وفى أولوهيته، وقيل: الوحدة هنا عدم التجزؤ، والأولى أن المعنى لا نظير له، فيدخل ما ذكر وعدم التجزؤ.
سألت اليهود وقريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم ربهم فنزلت سورة الإخلاص، وقوله تعالى {وَإِلَٰهُكم إِلَٰهُ وَاحد لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ} الجملة خبر ثان، أو نعت ثان لاإله، والنفى الآلهة الحقة، أى لم يوجد إله بحق إلاّ الله، أو الآلهة الباطلة، أى ليست موجودة من حيث الألوهية، ولو ادعاها عابدوها، والرحمن الرحيم خبران لإلهكم، وقيل الرحمن بدل من هو، والرحيم نعت لرحمن، وقيل بدلان من هو، وقيل خبر لمحذوف.
وروى أنه كان حول الكعبة ثلثمائة وستين صنما، ولما نزل {وإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ} قالوا متعجبين: إيت بآية على ذلك، فنزل {إن في خلق السمٰوٰتِ...} الخ، وهم غير القائلين لا شريك لك، إلا إلها تملكه، وما ملكت هو الخالق، وما سواه منعم عليه، ونعمه مشكورة أو مكفورة بالعصيان والشرك، وطلبوا آية على ذلك فنزل قوله تعالى:
{إِنَّ فِى خَلْقِ} إيجاد {السَّمَٰوَٰتِ} السبع، من حيث ارتفاعها بلا عمد ولا علاقة ونيرانها {وَالأَرْضِ} أى جنسها، فصدق بسبع فى قوله تعالى:
" { ومن الأرض مثلهن } "[الطلاق: 12]، وفى قوله صلى الله عليه وسلم: "من اقتطع قيد شبر من أرض جاره طوقه من سبع أرضين" ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، من حيث مدها، وكونها على الماء، ومن حيث شجرها، وجبالها، وبحارها، ومعادنها، وجواهرها، وعيونها، وثمارها، وحيواناتها" ، وأفردها لأنها متفقة بالحقيقة: وهى التراب بخلاف السماوات.
فالأولى: من زبد الماء متجمداً. والثانية: من رخام أبيض. والثالثة: من حديد. والرابعة: من نحاس. والخامسة: من فضة. والسادسة: من ذهب. والسابعة: من ياقوت أحمر. وقيل: الأولى: زبد جامد. والثانية: من نحاس. والثالثة: من فضة. والرابعة: من ذهب. والخامسة: من ياقوت. والسادسة: من زمرد والسابعة: من نور العرش وبين كل سماء وأخرى، وأرض وأخرى، والأرض والسماء خمسمائة عام كغلظ كل {وَاخْتِلَٰفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} من الافتعال، بمعنى التفاعل يتخالفان طولا وقصراً إلا وقت الاعتدال، وزيادة ونقصاً، وذهاباً ومجيئاً، وظلمة ونوراً، وسكوناً للجوارح والإبصار، وراحة وانتشاراً لها، واختلافاً للأَوقات، فكل ساعة مغرب فى موضع، وعشاء فى آخر، وثلث ليل فى آخر ونصفه فى آخر، وسدس فى آخر، وسحر فى آخر، وتوسط فى آخر، وزوال فى آخر، ووسط الوقتين فى آخر، وعصر فى آخر، واصفرار فى آخر، وغروب فى آخر، وما بين ذلك كله أيضاً متخالف، ولا تزول ولو لحظة، تغرب عن موضع، وتطلع فى آخر من خلفها وقدامها، وأينما كانت الشمس عند غروبها فى موضع، وطلوعها فى آخر يكون وراءها مثل الفجر الكاذب، شفقاً أبيض، وقدامها مثله، وكل بلذ يكون عرضة للشمال أكثر من طوله، يكون أيام صيفه أقصر من أيام شتائه، والظلمة سابقة على الضوء فقدم الليل لذلك، فالنهار لليلة قبله، وهو الصحيح، وقيل بالعكس، واستثنى بعضهم يوم عرفة على الأول، وجعله لليلة بعده، ولا يصح ذلك، وإنما نتبع الحكم الشرعى، وليس رجوعا لتقدم اليوم والليلة {وَالْفُلْكِ} جماعة بدليل قوله: {الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} فدل على الجماعة بضم الفاء وإسكان اللام مع الحروف، بخلاف الفلك المفرد فإنه لا دلالة لضمه وسكونه على معنى أو سكنت اللام عن ضم الجميع تخفيفا، والمعنى أن فى خلق السموات والأرض الخ، وفى الفلك، فالعطف على خلق، أو أن فى خلق السموات الخ وفى خلق الفلك، فالعطف على السموات، وقد يجوز عطفه على الليل، أى واختلاف الفلك ذهابا ورجوعا، وعلى حال إن فى ذاتها وإيجادها من حيث إنها لا تنزل إلى أسفل الماء مجردة أو محمولا فيها ما خف أو ما ثقل، وجريانها على وجه الماء بالريح مقبلة ومدبرة مع قوة الماء وهيجانه {بِمَا} أى بالذى {يَنْفَعُ النَّاسَ} من التجارة وسائر ما يحمل فيها، قيل برد الضمير لما على أنها موصولة اسمية، أو بنفعه الناس على أن ما مصدرية برد الضمير للجرى أو للبحر، والرد للجرى أولى لأن النفع بالجرى بالذات، بخلاف البحر فبواسطة الجرى، ولو كان الجرى بواسطة البحر، وقيل يجوز تذكير الفلك وتأنيثه، مجردا أو جماعة، فيجوز رد الضمير للفلك، وقد قيل إنه مفرد أنث بتأويل السفينة أولا، وذكر ثانيا على أصله، وفى البحر أيضا عجائب، حيتان، ولؤلؤ، ومرجان، وياقوت، والسفينة آلة الخوض فيها والاطلاع على ذلك، ولكن لا تحمل الآية على لإشارة لذلك لما فيه من التكلف، ولو كانت الفلك سببا. {وَمَآ أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَّآءٍ} أى وفى خلق ما أنزله من السحاب، أو فى ما أنزله من السحاب، سماه سماء، أو من السماء إحدى السبع، يصل بسرعة، أو أريد بالسماء جهة العلو، فيشمل الوجهين، والماء تارة من السماء، أو من الجنة، ينزل فى أقرب مدة، كسرعة الملك فى النزول، وتارة من البحر والعيون بخارا، وهذا الأكثر، وتارة يتقلب أجزاء الهواء الصغار الهبائية ماء بسبب، وأخره، مع أنه أفضل، قيل لفضله الزائد، أو لحمعه العلو والسفل، إذ منه ما من السماء وما من البحر، كما أن اختلاف الليل والنهار فيه ذلك، لأن الضوء والظلمة فى الأرض والجو والفلك بالماء والريح {فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ} بالنبات، أظهر بهجتها وزيادة منها، إظهاراً شبيهاً بإحياء ما مات، وبإدخال الروح فيما ليس حيا قط، بجامع الحسن والزيادة، وهى قبل النبات جماد، وكميت بعد حياة، كما قال {بَعْدَ مَوْتِهَا} أى عدم النبات فيها أو زواله عنها، وذلك أن الماء سبب للحياة فى الحيوانات، وسبب للنبات والثمار، وينزل عند الحاجة، وبالدعاء والاستقساء، وفى مكان دون مكان، وهو لكل سنة مقدار مخصوص، ويكون فى بعض الماء دون بعض {وَبَثَّ} به، أى فرق، أى بما أنزل من السماء من ماء، وفيه حذف رابط الصلة المجرور بدون جر الموصول بمثله، ودون تعلقه بما تعلق به جاز الموصول على الصلة، أو عَلَى ما عطف عليها، ولا يضر فصله لأنه سببى، وكأنه صلة، وهذا أولى من أن يقال بثه أى بث به {فِيهَا} دواب {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} أى من كل نوع من الدواب، توجد بالماء خلقا وينمو الموجود منها بالتوالد، مع اختلافهما، خرسا ونطقا، وصوتا، ولونا، ووحشا، وإنسا، ونقعا وضرا وطبعا، وغير ذلك كطول حياة وقصرها، وطول ذات وقصرها، ورقة وغلظة، وفى السماء دواب أيضا {وَتَصْرِيفِ الرِّيَٰحِ} تقليبها جنوبا وشمالا، وقبولا ودبورا، حارة وباردة، ولينة وعاصفة، وعقيما، ولا قحا للمطر والشجر.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح قال:
"اللَّهُم اجعلها رياحا لا ريحا" ، لأن مفردها فى القرآن سوء، كقوله تعالى: " { وَفِى عَادٍ... } " [الذاريات: 41] الخ، وجعلها فى خبر، كقوله تعالى: " { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } " [الروم: 46] ويقال سميت ريحا لأنها تريح النفوس، وياؤه عن واو، ويقال ما هبت إلا لشفاء سقيم، أو سقم صحيح، ويقال البشارة فى الصَّبا، والشمال والجنوب، وأما الدبور فعقيم لا بشارة فيها، وسميت الصبا قبولا، لاستقبالها وجه الكعبة، وهى حارة يابسة، ويسميها أهل مصر الشرقية، لأنها تهب من الشرق، ويقال، المبشرات، والناشرات، والذاريات، والمرسلات، والرُّخا للرحمة، والعقيم والصرصر والعاصف والقاصف فى البحر للعذاب، والصبا من مطلع الشمس فى الاعتدال، والدبور تقابلها، والشمال من جانب القطب، والجنوب تقابلهما، وطبع الدبور البرد والرطوبة، يسميها أهل مصر الغربية، لأن مهبتها الغرب، وتأتى من دبر الكعبة، وطبع الشمال البرد واليبس، وتسمى البحرية لأنه يسار بها فى البحر على كل حال، وقلما تهب ليلا، وطبع الجنوب الحرارة، وتسمى القبلية لأن مهها من مقابل القطب وهى عن يمين مستقبل المشرق، ويقال إذا هبت على أهل مصر سبع ليال استعدوا للأكفان، ولو أمسكت الريح طرفة عين لمات كل ذى روح وأنتن على ما على الأرض {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ} المذلل {بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} بلا عمد، ولا علاقة، مع ما فيه من المياه الثقيلة العظيمة التى تملأ منها الأودية، والأراضى، سميت لانسحابها وانجرارها ويسير بواسطة الرياح، وبين متعلق بمسخر، أو حال من المستتر فيه {لأَيَٰتٍ} دلائل على وجود الله، وقدرته، وكونه لا كالأشياء {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم، فيدركون بها الحق ولا يهملونها.
روى ابن أبى الدنيا وابن مردويه عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
"ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .
وتلك الأمور من الجائز، قابلة لعكس ما هى عليه كله، من حركة أو سكون، وبسط وكورية وغير ذلك، ومثلها لا يفعلها ولا تفعل نفسها، فالفاعل هو غيرها، وغير مثلها، والفعل لا يكون من فاعلين، والمصطلحان عاجزان، وإن كان فى حدهما فغير الفاعل ليس إلها.