التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ
٢٤٣
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٤٤
-البقرة

تيسير التفسير

{أَلَمْ تَرَ} تعجيب من القصة، والرؤية علمية بمعنى الإدراك، مضمنا معنى الوصول والانتهاء، ولذا عداه بإلى، أو بصرية مجاز عن النظر للحث على الاعتبار، لأن النظر اختيارى دون الإدراك، وقد تعدى هذا أيضا بنفسه فى قوله:

ألم تريانى كلما جئت زائرا وجدت بها طيبا وإن لم تطيب

وروى طارقا.
والخطاب له صلى الله عليه وسلم، ولو لم يعلمها قبل، أو لمن يصلح للخطاب ولو لم يعلمها، فيكون إيجازا معنويا أفاد الإعلام كقولك لمن لم يعلم بمجىء زيد وأردت إخباره، ألم تعلم أن زيدا جاء؟ أو إخبار لمن علم تشبيها لمن لم يعلم بها بحال من علم من حيث إنه ينبغى ألا تخفى عليه، وأن يتعجب كأنها مثل مضروب مشهور لا يخفى {إِلَى الَّذِينَ} إلى قصة الذين {خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ} داوردان، قبل واسط، هاربين من طاعون، أو هم قوم أرمهم السلطان بالجهاد من بنى إسرائيل ففروا حذر الموت {وَهُمْ أُلُوفٌ} سبعون أو أربعون أو ثلاثون أو عشرة كما هو جمع كثرة، أو تسعة أو ثمانية أو أربعة استعمالا لجمع الكثرة فى القلة، وذلك من العدد، جمع ألف بفتح الهمزة، وقيل من الألفة ضد الوحشة لا من العدد والمفرد إنك بكسر الهمزة كصنف وصنوف، أو ءالف بهمزة فألف كشاهد وشهود، أى وهم متألفون، وهو ضعيف. لأن المقام للقدرة على إماتة العدد الكثير مرة. وإحيائهم مرة كذلك، لا للتفريق بين المتألفين بإماتتهم {حَذَرَ الْمَوْتِ} بالطاعون أو بالقتال {فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ} فماتوا، كما يدل له أمره التكوينى فإنه لا يتخلف، وكما يدل له ثم أحياهم، وذلك عبارة عن تعلق الإرادة بموتهم دفعة، أو لموتهم بموتة نفس واحدة بلا علة، أو قال لهم ملك عن الله، وعن السدى: ناداهم ملكان، وذلك إماتة بدون ملك الموت، أو به بإقدار الله له، أو بأعوان، ففى كل ساعة من أيام الدنيا يموت مقدار ذلك، أو أقل أو أكثر من مطلق الحيوان، الجن والإنس والدواب وسائر ما فيه روح، ويقال، ناداهم ملك جبريل أو إسرافيل أو غيرهما، موتوا، والظاهر أَنهم ماتوا بلا وجع، أو وجع خفيف، والله قادر أن يموتوا بوجع كالمتطاول فى لحظة، وذلك أنهم ماتوا موتة يرجعون بعدها إلى الدنيا، ويكلفون فيها كما قبل الموت، وهو موت عقوبة وخرق عادة، وقيل، ذلك غير موت، بل سلب روح سلبا أعظم من سلب النوم، وسماه موتا مجازا {ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ} بعد ثمانية أيام، أَو بعد ما صاروا عظاما، أو عجل الله بإيلائهم، فقد ماتوا مرتين كما قال، ثم بعثنا كم من بعد موتكم، والأولى عقوبة، ولله أن يفعل ما يشاء، مر حزقيل بالحاء أو بالهاء وكسرهما ويقال له ابن العجوز، إذ سألت الله الولد بعد عقمها بالكبر فوهبه لها، وقيل مر شمويل، ويسمى ذا الكفل، لأنه تكفل بتنجية سبعين نبيا من القتل، وهو خليفة ثالث بعد يوشع، ثم كالب بعد موسى عليه السلام، وقيل مر يوشع، وقيل شمعون، وهم موتى متفرقو اللحوم والعظام، وتفكر وبكى، وقال، يارب، كنت فى قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحدى، فأوحى الله إليه، نادهم، فناداهم، فقاموا يقولون، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله أنت، ويقال، أمره الله أن يناديهم أيتها العظام، إن الله أمرك أن تجتمعى فنادى، فاجتمعت والتزقت وأمره أن ينادى، إن الله أمرك أن تكتسى لحما، فنادى فاكتسيت، وأمره أن ينادى، إن الله أمرك أن تقومى فقاموا أحياء إلى بلادهم {إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} فيجب عليهم شكره على فضله كإحياء هؤلاء بعد موتهم، ليعتبروا ويفوزوا بالسعادة العظمى، وكمن سمع بإحيائهم واعتبر {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} بل يكفرون بفسق، وبه وبشرك، والمشركون أكثر من الموحدين، وقد انضم إليهم من كفر بالجارحة أيضا، وفى القصة تمهيد للاجتراء على القتال كما قال:
{وَقَٰتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ} يا أيها المسلمون، ولا بد من الموت، فإن قتلتم متم شهداء فائزين، ولا يرد الموت لأجله شىء، فقد فر هؤلاء الإسرائيليون عن الطاعون أو القتال أو أهل داوردان فماتوا ولم يغنهم الفرار شيئا فتوكلوا على الله وقاتلوا أعداءه، ولو بالدعاء على من استعد منهم لإهانة الإسلام، والعطف على ألم تر عطف قصة على أخرى، أو مراعاة لمعنى ألم تر، إذ منعناه انظر وتفكر، أو يقدر اشكروا وقاتلوا فى سبيل الله {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لا يخفى عنه الجهاد والإخلاص ولا عدم الجهاد أو الإخلاص، ولا يخفى عنه قول المتخلف عن الجهاد وتنفيره لغيره عنه، وقيل، الخطابان فى الزمان السابق لمن أماتهم ثم أحياهم.