التفاسير

< >
عرض

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١٨
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
١٩
-آل عمران

تيسير التفسير

{شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ} بيّن لخلقه بالدلائل من مخلوقاته والآيات المنزلة، أنه لا يستحق العبادة سواه، أو شهد لخلقه بذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "يجاء بصاحب هذه الآية شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، إن الدين عند الله الإسلام، فيقول الله: إن لعبدى هذا عندى عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدى الجنة" ، والناس يتوهمون أن آخر الآية العزيز الحكيم، وليس كذلك بل آخرها الإسلام، كما نص عليه هذا الحديث، فالإسلام آخرها نظير الألباب والوهاب والميعاد والنار والعقاب والمهاد والأبصار والمآب والأسحار والحساب والعباد، ولما نزلت خرت الأصنام حول الكعبة ثلاثمائة وستون سجداً لله، قال حبران جاءا من الشام: ما أشبه هذه المدينة بمدينة آخر الأنبياء، ولما دخلا عليه صلى الله عليه وسلم عرفاه، فقالا: أنت محمد؟ فقال: نعم، قالا: أنت أحمد؟ قال: نعم، قالا: إن أخبرتنا عن أعظم شهادة فى كتاب الله آمنا بك، فنزلت الآية، فأسلما. وعنه صلى الله عليه وسلم: من قرأها عند نومه فقال، أشهد بما شهد الله، وأستودع الله هذه الشهادة يقول الله يوم القيامة: إن لعبدى..إلى آخر ما مر، وقيل: نزلت فى نصارى نجران، إذ حاجوا فى عيسى عليه السلام، وقيل فى اليهود والنصارى إذ تركوا اسم الإسلام، وتسموا باليهود والنصارى، وقالت اليهود: ديننا أفضل من دينك {وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ} من العرب وأهل الكتاب كعبد الله ابن سلام، ومن غيرهم، لا خصوص الأنبياء أو المهاجرين والأنصار، أو علماء مؤمنى أهل الكتاب كما قيل، وشهادة الله التبيين بنصب الأدلة، أو إنزال الكلام فى ذلك، وشهادة الملائكة وأهل العلم التبيين بالكلام أو بالاحتجاج، فشهادة الله وغيره بيان، فلا جمع بين الحقيقة والمجاز، ننفيه أو نؤوله بعموم المجاز، أو بتقدير فعل، أي وشهد الملائكة وأولو العلم، كما إذا اقتصرنا على ظاهر أن شهادة الله بيان، وشهادة الملائكة والعلماء إقرار، أو شهادة العلماء احتجاج، وقدم الملائكة، لأن فيهم الوسائط لإفادة العلم لذويه، أو لأن علمهم كله ضرورى، أما غيرهم فعلمه منه الضرورى والكسبى {قَآئِماً} حال من لفظ الجلالة أو لفظ هو، والأول كقولك: جاء زيد راكباً وعمر وبكر {بِالْقِسْطِ} الباء للتعدية، أى مقيما القسط، أى العدل فى قسمة الأرزاق والآجال، { نحن قسمنا بينهم معيشتهم } [الزخرف: 32]، وفى تعيين الشرائع والمحرم والواجب والمندوب إليه، والمكروه والمباح، وآخر للدلالة على قرب منزلة الملائكة وأولى العلم {لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} تأكيد، أو الأول شهادة، وهذا حكم بها، أو الأول وصف، والثانى تعليم، أى اشهدوا كما شهدت، كذا قيل، وفيه، أنه يغنى عنه قوله: والملائكة وأولو العلم {العَزِيزُ} راجع لقوله لا إله إلا هو، لأن العزة تلائم الوحدانية {الْحَكِيمُ} راجع لقوله، قائماً بالقسط، لأن الحكمة تلائم القيام بالقسط، قالت اليهود: لا دين كاليهودية، والنصارى: لا دين كالنصرانية، فنزل:
{إنًّ الدِّينَ} المرضى {عِندَ اللهِ} أو الكائن عند الله، أو أن المشروع عند الله، فعند متعلق بمحذوف كون عام نعت حذفا واجبا، أو بنعت محذوف جوازاً كونا خاصا، وليس ذلك خطأ من قائله، لأنه جرى على قول لمن تقدمه، ذكره الدمامينى، أو متعلق بالدين لتأويله بمشروع، والتعليق باعتبار التأويل كثير،نحو زيد أسد فى الحرب، وذلك كله أولى من أن يعلق بنسبة الكلام، أي أن الدين محكوم له عند الله بأنه الإسلام، لأن هذا معنى وعبارة أخرى لا إعراب، ولا يجوز أن يكون حالا من اسم إن، لأنه ليس لأن حدث مسلط عليه، ليكون الحال قيداً له، أو تأكيداً له {إلإِسْلاَمُ} الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد، فالجملة مؤكدة، لأن الشهادة بالوحدانية والعدل والعزة والحكمة أسس الدين وقاعدة الإسلام، والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والعمل لما جاء به من فعل أو ترك، قال على: إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله، وعليكم بالإسلام، ولا ينبغى أن يختلف فيه، ألا نرى إلى قوله:
{ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [آل عمران: 102] {وَمَا اخَتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فى دين الإسلام، إذ قال قوم إنه باطل، وقوم إنه حق، وقوم بأنه مخصوص بالعرب، وفى التوحيد إذ قال بعض اليهود عزيز بن بالله، وقال النسطورية من النصارى: إن الله ثالث ثلاثة، واليعقوبية بالاتحاد أن الله هو المسيح، والملكاثية إذ قالوا بالأقانيم الثلاثة، الوجود والعلم والحياة، وسموها الأب والابن وروح القدس، وأن أقنوم العلم انتقل إلى جسد عيسى، فجوزوا الانتقال، فكتبت وقرئت متغايرات مستقلة، وفى وصفهم بإيتاء الكتاب تقبيح لهم، حيث اختلفوا مع إيتاء التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك. روى أن موسى عليه السلام استخلف سبعين حبراً على التوراة حين احتضر،واستخلف عليهم يوشع، واستاموا إلى القرن الرابع فاختلفوا فى الدين، ووقع عليهم الكفر والقتال حرصاً على السلطنة وزخارف الدنيا، وسلط عليهم جبابرتهم فنزلت الآية فى شأنهم، وقيل الكتاب الجنس، والذين اليهود والنصارى {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ} التوحيد والحق المطلق وعرفوه أو مجىء العلم دخوله قلوبهم، بفهمه بعد نزوله وتمكنه فيها {بَغْيا} خروجاً عن الطاعة بالحسد وطلب الرياسة، وهو يؤدى إلى أنكار الحق {بَيْنَهُمْ} واقعاً بينهم، دائراً فاشيا، زاد الله عز وجل تقبيحهم بأن اختلافهم بعد مجيء الكتاب، وأنه بعد مجىء العلم، وبأنه بالبغى، ولا حصر فى ذلك إلا من خارج، وما هو إلا كقولك، ما ضربت إلا ابنى تأديبا، واعتبار الحصر فيه مثل اعتباره فى قوله: كما صرب إلا زيد عمراً بمعنى ما ضرب أحد أحداً إلا زيد عمراً {وَمَن يَكْفُرْ بِأيَآتِ اللهِ} النازلة الناطقة بالوحدانية، وبأن الدين عند الله الإسلام من التوراة والإنجيل والقرآن، أو الآيات الناطقة وغيرها {فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ} أى يجازه بكفره وما ترتب عليه، لأن حسابه سريع، لا بطء فيه، لا يحتاج إلى فكر إذ علمه قديم محيط لا يخرج عنه شيء أو يأت حسابه قريباً، لأن الله سريع الحساب.