التفاسير

< >
عرض

وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً
١٢٥
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً
١٢٦
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً
١٢٧
-النساء

تيسير التفسير

{وَمَنْ أَحْسَُ دِيناً} نفى للمساواة والزيادة {مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} أخضعه وأخلصه، أى ذاته كلهما، وعبر بالوجه لأنه أعز الأعضاء الظاهرة {لِلَّهِ} لا يعتقد أن له ربَّا سواه ولا ربَّا معه، أو المراد نفس الوجه، بأن سجد له خاصة رئاء ولا سمعة، ودين الإسلام مبنى على الاعتقاد لربوبية الله وألوهيته، وقصده إياه بالأعمال، وعدم تعلق قلبه بغيره، كما قال: أسلم وجهه، وعلى الأعمال كما قال {وَهُو مُحْسِنٌ} بإتيانه بالأوامر وانتهائه عن النواهى، وفى الحديث الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وذلك منتهى قوة البشر، إذ جمع الاعتقاد والعمل، وقيل هو محسن بالتوحيد، فيكون معنى أسلم وجهه أخلص عمله {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ} هذا إما نفس إسلام الوجه والإحسان، كأنه قيل وهو فى ذلك متبع لملة إبراهيم، لو تحقق إسلام وجهه وإحسانه باتباع ملته، وإما اشتراط لأن شرائع الأنبياء مختلفة، كلها مقبولة، وأفضل ملة إبراهيم وأحسنها ما كان جامعاً لإسلام الوجه والإحسان، وهو اتباع ملته لا غيرها مع شرائع الأنبياء، وقد جمع ذلك كله دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فالواجب على أهل الملل كلهم أن يقبلوه كما قبلوا كلهم إبراهيم وارتضوه، إلا أن منهم جاهلا، ومنهم حاسداً كاتماً، وكان مشركو العرب لا يفتخرون بشىء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم {حَنِيفاً} مائلا عن غير دين الإسلام إلى الإسلام {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} اصطفاه بكرامة، ككرامة الخليل، والواو للحال، أى وقد اتخذ إلخ، وصاحب الحال ضمير اتبع وقيل عطف على من أحسن، ولا بعد فى العطف عليه لأن المراد مدح من حاز هذه الخصلة، وهى أنه اتبع إبراهيم الذى هو خليل الله عز وجل، وأظهر فى موضع الإضمار للتفخيم، وسبب تلقيبه خليلا أنه هبط إليه ملك فى صورة رجل، وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي، فقال اذكره مرة أخرى، فقال لا أذكره مجاناً، فقال: لك مالى كله، فذكره بصوت أشجى من الأول، فقال اذكره مرة ثالثة ولك أولادى، فقال أبشر فإنى ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك، والمقصود امتحانك، وروى أن جبريل والملائكة دخلوا على إبراهيم عليه السلام فى صورة غلمان حسان الوجوه، فظنهم أضيافاً، فذبح عجلا سميناً، وقال لهم كلوا على شرط أن تسموا الله أوله وتحمدوه آخره، فقال جبريل: أنت خليل الله، وروى أنه بعث إلى خليل له بمصر فى جوع أصاب الناس ليمتار منه، فقال لو كان يريد لنفسه لفعلت، ولكن يريد للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملأوا الغرائر حياء من الناس، فلما أخبروا إبراهيم ساءه الخير، فغلبته عيناه، فنام، وقامت سارة إلى غرارة فأخرجت حوارى واختبزت، فاستيقظ واشتم رائحة الخبز، فقال من أين لكم هذا، فقالت، من خليلك المصرى، فقال: بل من عند خليل الله، فسماه الله خليلا، وقيل سماه الله خليلا لأنه لا يعارضه شىء لغيره إلا اختار ما لله عز وجل، وقيل لأنه يفعل ما يفعل الله عز وجل، أحسن إلى الكافر والمؤمن وأطمعهما، وفى البيهقى عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا جبريل، لم سمى الله تعالى إبراهيم خليلا؟ قال لإطعامه الطعام يا محمد" ، وقيل سماه لأنه لا يتغذى وحده إلا إن مشى ميلا ليجد من يأكل معه ولم يجد، وقيل لقوله لجبريل حين كان فى الهواء ملقى إلى النار: أما إليك فلا، وقد قال: ألك حاجة وروى أنه أضافه كافر فشرط عليه الإيمان فولى، فأوحى الله تعالى إليه إنى أطعمته سبعين سنة وهو يشرك بى، أيترك دينه ودين آبائه للقمة،فأدركه فأخبره، فقال أو قد كان هذا، إلهك أحق بأن يعبد، فأسلم، والخله من الخلال، فإنه ودٌّ تخلل النفس، وخالطها، قال صلى الله عليه وسلم، "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالّ" ، بضم الياء وشد اللام، أو من الخلل، لأن كلا يسد خلل الآخر، أو من الخل وهو الطريق فى الرمل، لأنهما يتوافقان فى الطريق، ومن الخلة بمعنى الفقر لأن كلا يفتقر إلى الآخر، أو بمعنى الخصلة لأنهما يتوافقان فى الخصال، وذلك فى حق الله بمعنى لازم المعنى اللغوى، قال بعض النصارى، إذا جاز إطلاق الخليل على معنى التشريف فلم لا يجوز إطلاق الابن فى حق عيسى على معنى التشريف؟ الجواب أن البنوة تشعر بالجنسية ومشابهة المحدثان بخلاف الخلة، وإن أوهمت الجنسية والمشابهة والحاجة فقد أزال ذلك بقوله:
{وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الأَرِضِ} فإنه لا يتصور لمن ملك ذلك وأكثر منه مما لا يتناهى، ولا شىء إلا هو مملوكه، أن يجانس أو يشابه، أو يحتاج، فخلته محض فضل، لا استكمالا بشىء كما يتخال الرجلان لاحتياج كل للآخر، وإبراهيم ملكه تعالى، فلا تخرجه الخلة عن العبودية لله عز وجل، والمالك له أن يختار من ملكه خليلا، ومن كان كذلك تجب طاعته واعتقاده كمال مجازاته على الأعمال، ومن قدر على إيجاد الأجسام والأعراض فهو محيط بالأعمال، قادر على الجزاء عليها كما قال {وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطاً} علماً وقدرة، وكيف لا يعلم ما هو خالق له، وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطى الابنة النصف والأخت الشقيقة والأبوين النصف بالوحى من الله جل وعلا فى غير القرآن، فقال عينية بن حصين: أخبرنا أنك تعطى الابنة النصف والأخت النصف وإنا كنا نورث من يشهد القتال ويجوز الغنيمة لا النساء والصبيان والضعفاء، فقال صلى الله عليه وسلم:
"بذلك أمرت" ، فنزل قوله تعالى:
{وَيَسْتَفْتُونَكَ} أى عيينة وجماعة من المسلمين، وهكذا قل، ولا تقل يستفتونك فيما للنساء ولا عليهن مطلقا، ولعل هذا الاستفتاء لم يقع {فِى النِسَّاءِ} أى فى توريثهن، والمراد جنس النساء، والاستفتاء متقدم على النزول، فالمضارع للحال وقصد حكاية الحال الماضية، أو هو لتكرر الاستفتاء بعد {قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ} الإفتاء تبيين المهم لطالب البيان {فِيِهنَّ} فى ميراثهن، والمضارع للاستمرار فشمل ما مر أول السورة من ميراث الإناث وما يأتي آخرها {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ} القرآن، عطف على لفظ الجلالة، أو على المستتر فى يفتى لوجود الفعل، أى يفتيكم الله ويفتيكم كتابه، والمفتى حقيقة هو الله، ولكن عطف عليه أو على ضميره ما هو من الأمور الدالة على أنه المفتى كقولك نفعنى زيد وعلمه، وأغنانى الله وعطاؤه، وقد يكون الإسناد حقيقة للمعطوف نحو أعجبنى زيد وكرمه، ولكون المفتى حقيقة هو الله صح إفراد ضمير يفتى، ولو عطف ما يتلى على لفظ الجلالة أو يراد بإفتاء الله ما أوحى فى غير القرآن وبإفتاء ما يتلى ما أفتاه الله فى القرآن، أو مبتدأ وفى الكتاب خبره، أى فى اللوح المحفوظ، أو يقدر ويبين لكم ما يتلى، أو الواو للقسم {فِى يَتَامَى الّنِّسَآءِ} متعلق بيتلى، وإن جعل ما يتلى مبتدأ فهو بدل من النساء، بدل بعض والرابط النساء، وضعا للظاهر موضع المضمر، أى فى يتاماهن، وفى هذا الوجه ضعف، لأن عيينة لم يستفت فى خصوص اليتيمات، وفى على ظاهرها، وإن علقنا فى يتامى بيستفتى ففى للسببية لئلا يتعلق جاران بمعنى واحد فى فعل واحد بلا تبعية {الَّتَى لاَ تُؤْتُوْنَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} من الميراث والصداق والنكاح، وكانوا يمنعونهن منه {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنْكِحُوهُنَّ} عن أن تتزوجوهن لفقرهن أو قبحهن وعيب فيهن، وتبقونهن بلا تزويج لهن لغيركم، طمعا فى إرث مالهن، أو عن تزويجهن لغيركم لهذا الطمع، أو فى أن تتزوجوهن لما لهن وجمالهن، فكل من الرغبة عنهن، والرغبة فيهن مراد على سبيل البدلية، بحسب اقتضاء المقام وشهادة الحال لا على سبيل الشمول، وإلا لزم استعمال الكلمة فى معنييها، وليس ذلك إلباسا بل إجمالا، وللعرب غرض فى الإجمال لا فى الإلباس، واحتج الحنفية بالآية على جواز تزويج اليتيمة قبل البلوغ، وكذا الصغيرة غير اليتيمة، ويجوز أن يزوجها ولو غير أبيها وجدها، وأجيب بأنه ليس فى الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء فى نكاح اليتيمة، ولا يدل ذلك على الجواز، لجواز أن يكون المراد أن تنكحوهن بإذن منهن إذا بلغن، ويعترض هذا بأنه خلاف ظاهر الآية، وبأنه مجاز لعلاقة الأوْل، ولا دليل عليه، فلا تحمل عليه، أعنى بالأوْل أنه أراد تزوجهن إذا آل أمرهن، إلى البلوغ، لا مجاز الأوْل المشهور المتعاهد {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوَالِدَانِ} عطف عَلَى يتامى، وكانوا لا يورثون الأطفال، ولا من لا يقاتل كما لا يورثون النساء {وَأَن تَقُومُوا} عطف عَلَى يتامى، وفى يتامى بدل فى النساء، أو متعلق بيتلى، فكأنه قيل فيهن فى يتامى النساء، وفى أن تقوموا، أو ما يتلى عليكم فى يتامى النساء، وفى أن تقوموا، أو عطف عَلَى هاء فيهن المضمرة المتصلة، ولو بلا إعادة الجار، لاطراد حذف الجار مع أن وأن، عند أمن اللبس، أو أن تقوموا لليتامى بالقسط خير لكم، أو يقدر ويأمركم أن تقوموا {لِلْيَتَامَى بِالقِسْطِ} والخطاب لمن يصلح للقيام بمنافع اليتامى فى أموالهم، وأبدانهم، ومؤنهم، وسائر مصالحهم من الأئمة والأولياء والمحتسبين {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} فى اليتامى وغيرهم، ودخل فى الخير ترك المحرمات لوجه الله كالزنى والربا {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} فهو مجازيكم عليه إن لم تبطلوه.