التفاسير

< >
عرض

فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ
١٥
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
١٦
-الشورى

تيسير التفسير

{فلذلكَ} الفاء عاطفة والاشارة الى الائتلاف المأمور به من النهى عن التفرق، أو الى ما أوصى به الأنبياء من التوحيد والعمل، واللام بمعنى الى متعلق بقوله تعالى: {فادعُ} وفاؤه صلة، أو فى جواب شرط، أى إذا كان التفرق موجبا للعذاب بالاستئصال، لولا ان الله عز وجل يؤخر العقاب فادع الى الائتلاف، أو اللام للتعليل، والاشارة الى العذاب متعلق بادع على وجه الشرط، أو الصلة، ومعموله الآخر محذوف، أى فادع لأجل ذلك العذاب الى الائتلاف، ولا تقل المعنى لأجل ذلك التفرق، وتشعب الكفر، ادع الى الائتلاف، إذ لا وجه له إلا على تقدير محذوف، أى لأجل إزالة ذلك التفرق، أو لقصد إزالة التفرق، وتجوز الاشارة الى الشرع المعلوم من شرع، والفاءان على ما سبق، واللام بمعنى الى، اى ادع الى ذلك الشرع، أو للتعليل أى ادع لأجل ذلك الشرع، الى الائتلاف، فحذف الى الائتلاف، ويجوز أن تكون الفاء الأولى فى جواب شرط، والثانية تأكيد لها، واللام بمعنى الى أى اذا كان الشرع ما ذكر، ووجبت الاستقامة، أو اذا كان العذاب مترتبا على التفرق، فادع الى الائتلاف المعلوم.
{واسْتَقِم كَما أمِرت} دم على الاستقامة، وان اعتبرت أن هذا الأمر متوجه اليه كل ساعة لم تحتج الى التفسير بالدوام والماصدق واحد، وكذا ان فسر بلزوم والمنهاج المستقيم، والمراد استقم فى جميع الأمور، وقيل: المراد استقم اثبت على الدعاء الى الائتلاف لمناسبة ما قبله، وكما أمرت نعت لمفعول مطلق، أى استقم استقامة ثابتة كما أمرت به، وحذف الرابط المجرور فى الصلة بالحرف، وقد قيل: يجوز حذفه بلا شرط إذا ظهر المراد {ولا تَتَّبع أهْواءَهُم} لا كلها ولا بعضها،ولا هوى بعض ولا هوى كل مهما يكن من شىء هوى لهم فى الدين، فلا تتبعه.
{وقُل آمنتُ بما أنزل الله مِنْ كتاب} أى كتاب من كتب الله أى ما يسمى كتابا من الله، فقد آمنت به بلا فرق بين كتاب وكتاب، ولا بين نبى ونبى، أى قل لأهل الكتاب، ولو كانت السورة مكية، أو قل لقومك لأنها كلها حق لا كأهل الكتاب، يؤمنون ببعض الأنبياء والكتب، ويكفرون ببعض كقوله تعالى:
" { ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض } "[النساء: 150]، الى قوله تعالى:" { أولئك هم الكافرون حقا } " [النساء: 151] وفى معنى ذلك اعراض الجهال عن قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } [الأحزاب: 56] وقوله تعالى: " { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا } " [النور: 27] الخ وفى الآتية اثبات أن كتب الله كلها حق، والأنبياء كذلك، وفيه تأليف قلوبهم، إذ آمن بكتبهم ورسلهم وتعريض بهم إذ لم يؤمنوا ببعض.
{وأمِرت} بما أمرت {لأعدل بيْنَكم} فى تبليغ الشرائع لا آمر أحدا منكم وأترك آخر، ولا أنهى أحدا دون أحد، ولا أخبر أحدا دون أحد، شريفكم ووضيعكم سواء، أو فى الخصام إذا تخاصمتم الىَّ كذلك، أو فى ذلك كله، وفى جميع الأحوال، وهو أولى، واللام للتعليل، أو بمعنى الباء على حذف الناصب، أى بأن أعدل بينكم، وفيه أنه لم يسمع حذف أن الناصبة للفعل بعد الباء، فكذا اللام النائبة عنها، وقيل اللام زائد والباء وان مقدران، أى بأن أعدل بينكم، وفيه بعد.
{الله ربنا وربُّكم} فأنتم ونحن مستوون فى الأحكام المنزلة {لنَا أعْمالنا ولَكُم أعْمالكم} لا تجازون بأعمالنا، ولا نجازى بأعمالكم خيرا أو شرا {لا حجَّةَ} لا احْتجاج {بيْنَنا وبيْنَكم} لظهور الحق، وخصامكم لنا هو مكابرة منكم، أو لا دليل يحتاج اليه بعد الأدلة الموردة عليكم، وقد استدل أهل الكتاب على أنهم أفضل لتقدم دينهم وكتبهم وأنبيائهم، وهم مخطئون، وكتبهم تكذبهم، وما فى القرآن من تفضيل بنى إسرائيل على العالمين محمول على عالمى زمانهم، ما لم يجىء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولزمهم على دعوى العموم ان يكونوا أفضل ن ابراهيم واسحاق، ولا يقولون به، والقرآن نص على أن هذه الأمة أفضل الأمم كلها، قال الله تعالى:
" { كنتم خير أمة أخرجت للناس } "[آل عمران: 110] الآية.
{الله يَجْمعُ بيْنَنا} يوم القيامة {واليه المصيرُ} مصدر ميمى بمعنى الصيرورة، ليفصل بيننا وبينكم، روى عن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه همت طائفة من بنى اسرائيل أن يردوا الناس عن الاسلام، كما قال الله عز وجل:
" { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا } "[البقرة: 109] لآية فقالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فديننا أفضل من دينكم، فنحن أولى بالله تعالى منكم، فنزل قوله تعالى: {والَّذين يحاجُّون في الله} أى يخاصمون فى دين الله الى قوله:
" شديد" أو إلى "الميزان" وعن عكرمة: انه لما نزل:
" { إذا جاء نصر الله والفتح } " [النصر: 1] قال المشركون: قد أسلم أفواجا فاخرجوا عنا أو اتركوا الاسلام، ووجه المحاجة أنهم تهكموا بقولهم: قد أسلم الناس أفواجا، وأن دعواهم تتضمن أن الاسلام مما يصح تركه {مِن بعْد ما اسْتُجيبَ له} ما مصدرية، أى من بعد استجابة الناس له، أى لله تعالى، أو لدينه، ويجوز عود الهاء الى الدعاء المعلوم من قوله تعالى: "ولذلك فادع" والاستجابة انما تكون بعد الدعاء، وكأنه قيل من بعد ما دعاهم الله أو نبيه الى دينه، واستجابوا له، وإن شئت فقدر من بعد ما استجيب لدعوته.
{حجَّتُهم داحِضةٌُ عنْد ربِّهم} أى زائلة باطلة، بل لا حجة، وانما سماها لهم على زعمهم، وللتهكم بهم، والمستجيب له من أسلم فى مكة، وقد مر فى تفسير هذه السورة أو التى قبلها، أنه أسلم جماعة كثيرة بمرة واحدة، وأسلم من فى دار الصفا ومن تبعهم، حتى أن عمر رضى الله عنه أسلم، وقيل المستجيب أهل الكتاب لاقرارهم بنعوته فى كتابه، واستفتاهم به، اذا جاء على قتال أعدائهم وهم العرب الذين يؤذونهم، وهذا على أن الآية مدنية، ولا يضر أنها مكية، وأنه تعالى أخبره عنهم بذلك، أو سمعه صلى الله عليه وسلم، وبلغ ذلك أهل مكة، وذلك صحيح، ولو لم يبلغهم والمحاجون أهل مكة، أو المستجيب الله عز وجل، والهاء له صلى الله عليه وسلم، وذلك باظهار المعجزات كاجابة دعائه عليهم بالقحط سبع سنين، وتخليص المستضعفين من أيديهم، وبيوم بدر، وهذا على أن لآية مدنية.
{وعليْهم غَضبٌ} كراهة الله لهم، وكونهم ممن لم يرض عنه {ولَهُم عذابٌ شَديدٌ} فى دنياهم وأخراهم، أو الغضب لازمه فى الجملة، وهو عذاب الآخرة، والعذاب الشديد فى الدنيا، الآية شاملة بالمعنى يخاصم فى السلام عند ارادة الدخول، ويقول لجهلة: إن المرأة لا تسلم لئلا يسمع الرجال صوتها، وازداد عناداً أنه أباح لها أن لا تسلم، ولو لم يكن هناك رجل أجنبى يسمع بعد قيام الحجة أن أحكام القرآن جارية على الرجال والنساء، الا ما خصه الدليل، ومع قيام الحجة أن الصحابيات يسلمن من خارج الباب مطلقا، ولو حضر الرجال خارجا أو كانوا داخلا أجانب مع نسائهم وسلامهن من الفروض التى تؤدى مطلقا، كما يسألن على العالم إذا أردن سؤاله عن فرض، وما دون الفرض، وكما يسلمن العالم ولو عن نفل أو مباح، وكما يجبن السائل من وراء حجاب، فيسمعهن، وذلك من الجدال الباطل فى قوله تعالى:
" { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } " [النور: 27] ومن علم من امرأة أنها تدخل بلا سلام فليتبرأ منها.