التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
٢٧
-الشورى

تيسير التفسير

{ولَو بَسَط الله الرزق لعباده لَبغَوا في الأرض} تكبروا فيها بطراً وظلموا، فإن الغنى مبطرة مأشرة، كما بغى قارون بماله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " "أخوف ما أخاف على أمتى زهرة الدنيا وكثرتها" والبغى تجاوز الحد فى الشر لا فى الخير {ولَكن ينزِّل بقدرٍ} بتقدير {ما يَشاء} تنزيله بحكمته {إنَّه بعباده خَبيرٌ بصيرٌ} محيط بما علم الخلق، وما جهلوا فيرزقهم متى شاء بما شاء، ويعطى ويمنع كذلك، ولو أغناهم كلهم لبغوا بالمعاصى فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم مطلقا كما ترى مبسوطا عليه يقاتل مبسوطا عليه ظلما، ولا سيما أنهم يتفاوتون فى قوة نفس وبدن وضعفهما، وشدة اشتهاء للأمر وضعفه، ولو كانوا كلهم فقراء لهلكوا، ولا ينجوا من البغى، ولكن البغى مع البسط هو الغالب.
ومن حكمته تعالى فى الدنيا ان أغنى بعضا فينفع الفقير ويخاف اجتماع الفقراء عليه بالضر، فينقص بعض البغى أو كله، وأفقر بعضا ليذعن بذلك للغنى ولا يقاومه، وأما الفقير الكلى حتى لا يجد عند الآخر ما يلطبه، فلا يتصور معه البغى، وقيل العباد فى قوله تعالى: "لعباده" المؤمنون الموفون، وفى قوله: " بعباده " هم أيضا من وضع الظاهر موضع المضمر، على طريق الاعتناء، والأصل أنه لهم، وعدم البسط مصلحة لهم كما قال صلى الله عليه وسلم:
" "إذا أحب الله عبدا أحماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمى سقيمه الماء" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " "يقول الله عز وجل: من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الحرد وما تقرب إليَّ عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويداً ومؤيداً، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته" .
وكما قال خباب بن الأرت: نظرنا الى أموال قريظة والنضير وقينقاع فتمنيناها فنزل: {ولو بسط الله} الآية، وقال عمرو بن حريث: طلب قوم من أهل الصفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبسط الله تعالى لهم، فنزلت الآية، ولا يلزم من ذلك تفسير الآية بالمؤمنين، بل هى على العموم كما هو الظاهر، ولا دليل للخصوص وهم داخلون فى العموم، وأما الرد على مدعى الخصوص بأن المؤمن الموفى لا يبطره الغنى، لأنه يرى الدنيا بعين التحقير، فلا يتم، لأن الله تعالى بنى الأمور على ما يشاء، فهو سبحانه بناهم على أن لا يبغوا ولا يبطروا بعدم البسط، وبنى بعضا على أن لا يبطر ولا يبغى مع البسط عليه، لأن السعادة والشقاوة أسبابا.