التفاسير

< >
عرض

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ
٢٧
لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ
٢٨
إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ
٢٩
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٣٠
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ
٣١
مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
٣٢
إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٣٣
-المائدة

تيسير التفسير

{وَاتْلُ} يا محمد {عَلَيْهِمْ} على قومك أَو على الناس أَو على بنى إِسرائيل تحذيرا من عاقبة السوءِ على الحسد فيترك أَهل الكتاب وغيرهم حسدك على رسالتك وجناية ابن آدم وجناية بنى إِسرائيل متحدثان فى المعصية، وأَيضا تناسبتا بأَنهم جبنوا على القتل وابن آدم اجترأَ عليه والقصة غامضة لا توجد إِلا عند الخاصة فتكون حجة له صلى الله عليه وسلم {نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ} هابيل وقابيل وهو أَكبر بسنتين فالبنوة لآدم بلا واسطة وقيل رجلان من بنى إِسرائيلِ فالبنوة له بوسائط، ويناسبه قوله عز وجل { من أَجل ذلك كتبنا على بنى إِسرائيل} إِلخ. إِلا أَنه يناسب كونهما هابيل وقابيل لأَن قتله هابيل سبب لمفاسد كثيرة {بِالحَقِّ} تلاوة ملتبسة بالحق واتل ملتبسا بالحق أَو نبأَ ابنى آدم ملتبسا بالحق وهو الصدق الموافق لما فى الكتب الأُولى من الحسد وتحريمه، أَوحى الله جل وعلا إِلى آدم أَن زوج قابيل الأَنثى التى اجتمعت مع هابيل فى بطن حواء وهى لبود، أَو زوج هابيل الأُنثى التى كانت مع قابيل فى بطنها فسخط قابيل لأَن التى كانت معه فى البطن أَجمل وأَنهما معا من الجنة، جعل الله عز وجل التخالف بالاجتماع فى البطن بمنزلة افتراق النسب للضرورة فالتي لم تجتمع معه في البطن كأَنها غير أَخته، ويروى أَنها حملت حواء بها فى الجنة وهى إِقليما مع قابيل فى بطن واحد قبل أَن يصيب آدم. الخطيئة، ولم تجد لها وحما ولا وجعا ولا دما وحملت هابيل ولبودا فى الدنيا بوحم ووجع ودم، وقيل حملتهما فى الأَرض بعد مائة سنة وبعدهما هابيل ولبودا فقال لهما آدم قربا فمن قبل قربانه تزوجها وذلك إِزاحة للعلل وإِيضاحا لأَمر الله إِن كان قد أَخبره الله أَنه قضى فى الأَزل يتزوجها لهابيل فلا بد من موافقة القربان له، أَو أَمره بأَن يقربا مع إِيحائه أَن زوجها هابيل وإِلا فالتحكيم لا يجوز بعد حكم الله حاشى آدم عنه، وقيل أَمره الله بذلك وقال لا تحل لك فقال ذلك رأيك لا من الله، وأَمرهما بالقربان وقد علم عليه السلام أَنه لا يقبل من قابيل فقرب هابيل كبشا سمينا ويروى جملا بالجيم ويروى جذعة وكان صاحب ضرع وقابيل قمحا رديئا وكان ذا زرع كما قال الله عز وجل {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانا} أَى قرب كل واحد قربانا أَو قرب كلاهما قربانا، أَو أَفرد لأَنه مصدر فى ألأَصل يصلح للاثنين وإِذ متعلق بنبأ على تقدير مضاف أَى نبأَ إِذ قربا قربانا، ولا بد من التأْويل لأَن الاخبار لم يقع وقت تقريب القربان {فَتُقُبِّلَ} أَى هو أَى قربان أَو النائب قوله {مِنْ أَحَدِهِما} هو هابيل قبل كبشه أَو جملة بأَن نزلت نار بيضاء فأَكلته أَو حملته إِلى الجنة حتى كان فداء، أو نور فحمله كذلك {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ} هو كالأَول {مِنَ الآخَرِ} قابيل لم تنزل النار أَو النور على قمحه إِذ قرب الردىءَ وسخط حكم الله ولم يخلص النية فى قربانه، ويروى أَنه قرب حزمة سنابل القمح الردىء ووجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأَكلها وقال: لا أُبالى أَتقبل أَم لا هى أَختى لا يتزوجها غيرى، وهى حرام عليه لأَنها معه فى بطن واحد، وأَضمر هابيل الرضا بما حكم الله. وما لم يقبل لم يرفع بل يبقى للطير والوحش {قَالَ} الآخر لفرط حسده على تقبل قربان هابيل دون قربانه وقد قال صلى الله عليه وسلم: إذا حسدت فلا تبغ، أَو لحصول توأَمته له ويدل للأول قوله إِنما إلخ {لأَقْتُلَنَّكَ} لأَستريح منك ولئلا تتزوجها {قَالَ} الآخر {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المتَّقِينَ} وأَنت لم تتق فلم يتقبل قربانك وإِنما أَتيت من جهة نفسك فلماذا تقتلنى، ولِمَ لَمْ تفعل سبب القبول منك واللبيب يتعاطى أَسباب تحصيل مثل ما يحسد فيه غيره لا أَسباب إِزالته عن غيره، فإِن ذلك لا ينفعه ولا يزيل وإِن زال به أَثم بزواله، أَو كنى بذلك عن أَنى لا أخرج عن التقوى بترك حكم الله تعالى ولا أَختار عنها الحياة، أَو الكناية عن أَنى لا أَدفعك بالقتل عن قتلى كما قال
{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلىَّ يَدَكَ} لم يقل يديك لأَن القتل يتصور ولو بيد واحدة، ولذلك لم تشدد الياء فى يدى ولو شدد لكان مثنى {لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَا بِبَاسِطِ يَدىَ إِليْك لأَقْتُلَكَ} لست ممن يوصف ببسط اليد لقتلك {إِنِّى أَخَافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ} كان هابيل أَقوى من قابيل ولكن لم يبح الله لهم فى ذلك الزمان وما بعده الدفع عن أَنفسهم إِلى أَن شاءَ الله، فكان ترك الدفع واجباً وخوفاً من عقاب الله على ترك الواجب وإِن كان تركه مستحباً فخوفه من نقص الثواب، وقيل قتله نائماً وزعم الشافعى أَنه يجوز لنا هذا إِذا كان القاتل غير مشرك وغير مهدور الدم، وزعموا عنه صلى الله عليه ويلم أَنه قال لمحمد بن مسلمة:
"أَلق كمك على وجهك وكن عبد الله المظلوم ولا تكن عبد الله الظالم" ، ويروى "وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل" ، وأَنه قال لخباب فى الفتنة التى القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشى والماشى فيها خير من الساعى: "إِن أَدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل" ، وقال "إِذا الْتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار" ، والصواب وهو مذهبنا وجوب الدفع علينا ولو كان يؤدى إِلى الموت، ومعنى الأَحاديث لا تخرج عن دينك ولو كان عدم الخروج عنه يؤدى إِلى الموت وإِنما يكون القاتل والمقتول فى النار إِذا كان كل منهما مبطلا، وعن ابن عباس لا أَقتلك ظلماً أَو لا أَبتدئك بالقتل ظلماً لكن لم يرو أَنه قاتله ولا دفعه مع أَنه أَقوى، وتحمل أَحاديث الباب على ما إِذا لم يبق فى عقله أَو فى يده ما يدفع به
{إِنِّى أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ} تتهيأ أَو ترجع إِلى ربك أَو منزلك {بإِثْمِى} لو بسطت إِليك يدى {وإِثْمِكَ} بسخط أَمر الله ومخالفة أَبيك والحسد وإِضمار القتل وبسط يدك إِلىَّ إِن بسطتها إِلىَّ فالشخص يحمل إِثم المباشرة وإِثم كونه سبباً لإِثم شخص آخر فالبادئَ بالسب حامل لإِثم سبه وإِثم تسبيه لسب صاحبه له، وكلا الإِثمين فعل له لقوله تعالى
{ ولا تزر وازرة وزر أخرى } [الأنعام: 164] أَو أَراد بالإِثم قتلِى أَو أَراد بالإِثم لازمه ومسببه وهو العقاب، أَو إِثمى إِثم قتلى وإِثمك الإِثم الذى عليه قبل القتل وبه قال ابن مسعود وابن عباس، وقيل بإِثمك الذى لم يتقبل به قربانك وقيل إِثم قتلى وإِثمك الذى هو كل قتل محرم بعدك لأَنك سننته، ومن كلام أَصحابنا أَنه يجوز أَن تدعو لصاحب الكبيرة أَن يزيد عصياناً حتى أَجاز بعض أَن تدعو له بالإِشراك لقوله تعالى { واشدد على قلوبهم } [يونس: 88] وقد بحثت فى شرح التبيين لذلك، ولا أَقول بذلك لأَن فيه ميلا إِلى المصية ووقوعها وأَنت خبير هل شرع من قبلنا شرع لنا، والآية تقبل أَن يكون المراد بها التبرىء من الإِثم لا حصوله لأَخيه كقوله صلى الله عليه وسلم: "أَشهد غيرى" ، بمعنى أَنه ليس ذلك جائزا لا حقيقة الأَمر بإِشهاد غيره صلى الله عليه وسلم، وقدر بعض إنى أريد أَن لا تبوء أَولا أريد أَن تبوءَ، وإِما أَن تريد العقاب للفاسق فواجب يثاب عليه عندنا ولو لم يكن مشركاً فكيف وقد يطلع هابيل على شرك قابيل {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} لأَنفسهم أَو لغيرهم، وظالم غيره ظالم لنفسه بل ظالم نفسه لغيره لشؤم المعصية بالقحط والطاعون والآفات:
{فَطَوَّعَتْ} سهلت {لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} هو صعب فى الحقيقة لتحريم الله وللعقاب وللرقة القلب لكن سهلته له نفسه، يقال طاع له الأَمر أَى انقاد وطاع المرعى اتسع {فَقَتَلَهُ} نهاراً، ومعنى أَصبح صار لا ما قيل أَنه قتله ليلا قيل لم يدر كيف يقتله فأَعلمه إِبليس أَن يجعل رأسه على حجر ويضربه بآخر، وقيل رض رأس طائر بين حجرين فتعلم منه، ويقال عن ابن مسعود وغيره أَن هابيل هرب عن أَخيه فى رءُوس الجبال فوجده يوماً نائماً مع غنمه فقتله بصخرة {فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ} لدينه وآخرته ودنياه إِذ لم ينتفع ببدنه إِذ توحش وأقصى وعوقب وحزن حتى قتله ولده ولم يتزوج إقليما ولا لبودا، وقيل هرب بإِقليما إِلى عدن من أَرض اليمن واسود وجهه ومسخ قلبه وكان مذموماً أَبداً، ويقال لما مات علق برجله إِلى الشمس تصيبه إِلى حظيرة نار صيفاً وإِلى حظيرة ثلج شتاءً يعذب بذلك، وفى الصحيحين عن ابن مسعود مرفوعاً
"لا تقتل نفس ظلماً إِلا كان على ابن آدم الأَول كفل منها لأَنه أَول من سن القتل" ، وفى الطبرى والبيهقى عن ابن عمر موقوفاً: إِنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أَهل النار قسمة صحيحة عليه شطر العذاب، والأَشقياء الثلاثة إِبليس وقابيل وقاتل ناقة صالح، وهرب إِلى عدن وقال له إِبليس: تقبل قربان أَخيك لأَنه يعبد النار فعبدها فكان عليه وزر من عبدها ومن عبد غير الله سبحانه مطلقا، ولما قتل هابيل قيل له اذهب طريداً شريداً فزعاً مرعوباً لا تأمن من تراه وكان قبل موته لا يمر به أَحد إِلا رماه بالحجارة لقتله هابيل، وعمر هابيل حين قتل عشرون سنة فقتله فى عقبة حراءَ، وعن كعب الأَحبار فى جبل دير المران وقيل فى جبل قاسيون وقيل فى موضع المسجد الأَعظم من البصرة، وعن ابن عباس فى جبل نود وكانت حواء تلد لآدم فى كل بطن غلاماً وجارية إِلا شيت فإنها وضعته مفرداً عوضاً عن هابيل، ومعنى شيت هبة الله لأَن جبريل عليه السلام قال لحواءَ لما ولدته: هذا هبة الله لك بدلا من هابيل وكان آدم يوم ولد شيت ابن مائة سنة وثلاثين سنة بعد قتل هابيل بخمسين سنة وجملة أَولاده تسعة وثلاثون فى عشرين بطناً عشرون من الذكور وتسعة عشر من الإِناث أَولهم قابيل وإِقليما من بطن واحد وآخرهم عبد المغيث وأَمة المغيث من بطن، وبارك الله فى نسله ومات عن أَربعين أَلفاً من ولده وولد ولده وحل لكل رجل منهم أخته إِلا التى معه فى بطن لأَنه لا نساءَ إِلا أَخواتهم فالنساء سبب للشرور فحواء عليها السلام سبب لخروج آدم عليه السلام من الجنة، وإِقليما سبب قتل هابيل ولما قتله رجفت الأَرض بمن عليها سبعة أَيام وشربت الأَرض دمه فقال الله له: أَين أَخوك هابيل؟ فقال ما أَدرى ما كنت عليه رقيباً، فقال الله عز وجل إِن دمه لينادينى من الأَرض فلم قتلت أَخاك. فقال: فأَين دمه إِن قتلته، فحرم الله على الأَرض شرب الدم وكان آدم بمكة خرج إِليها ليراها بعد أَن طلب من الجبال والأرض والسماءِ أَن يحفظن ولده هابيل فأَبين واستحفظه قابيل: فقال نعم أَحفظه وأَهلك حتى ترجع فخانه فقتله فاشتاك الشجر أَى ظهر له شوك وتغيرت الأَطعمة وحمضت الفواكه واغبرت الأَرض فقال: حدث فى الأَرض حادث فلما رجع الهند وجد قابيل قد قتل هابيل فسأَله أَين هابيل فقال ما كنت عليه وكيلا. فقال: بل قتلته ولذلك اسود وجهك وجلدك فما ضحك مائة سنة فجاءَه ملك على تمامها فقال له حياك الله تعالى وبياك، وبشره بغلام وهو شيت فضحك، وقيل ولد شيت لخمسين سنة من قتل قابيل وجعل مرثيته نثراً بالسريانية لما قتل هابيل وأَوصى بها شيت وأَوصاه على الدين وجعله ولى عهده وأَنزل الله جل وعلا إِليه خمسين صحيفة وعلمه ساعات الليل والنهار وعبادة الخلق فى كل ساعة، ولما وصلت مرثيته يعرب بن قحطان جعلها شعراً بتقديم وتأْخير هكذا:

تغيـــــرت البــــلاد ومـــــن عليهــــا فـــــوجـــه الأَرض مغبـــــــــــــر قبيــــح
تغيـــــر كـــــل ذى طعــــــم ولـــــون وزال بشــــاشـــــة الـــوجـــه المليــــح
ومــا لى لا أَجـــــود بسكــب دمعــــى وهابيـــــل تضمنـــــــــه الضـــــــريــــح
أَرى طــــول الحيــــــــاة عـــلى غمـــا فهـــــــــل أَنـــــــا من حيـــاتى مستــريــــح

اختار بعض أَنه ليس ليعرب لركته، والوجه المليح بقطع المليح إِلى الرفع وجه هابيل وليس ذلك شعراً لآدم لأَن الأَنبياءَ لا يقولون الشعر، ولما قتله حمله على ظهره فى جراب أَربعين يوماً وقيل حمله سنة وقيل أَكثر لما رأَى السباع قصدته للأَكل وأَنتن وجاف وكان أَول آدمى مات فلم يدر ما يصنع به
{فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً} إِكراماً لهابيل رضى الله عنه {يَبْحَثُ فِى الأَرْضِ} برجليه ومنقاره حفراً ودفناً لغراب قتله هذا الغراب اقتتلا فحفر القاتل حفرة فألقى المقتول فيها ودفنه بترابها وقيل أَحد الغرابين ميت وقيل الغراب الباحث ملك بصورة الغراب ولا حجة لهذا، وقيل خص الله تعالى الغراب لأَنه يشتام به فى الفراق بعد، وكذلك آدم حفرت له الملائكة ودفنوه وكذلك موسى حفرت الملائكة قبراً فمر عليهم موسى فأَعجبته خضرته وحسنه فقال لهم لمن هذا؟ فقالوا لعبد كريم على ربه وإِن شئت فانزل فيه فنزل فامتد وتنفس فقبض الله روحه وسووا عليه التراب. وقيل أَتاه ملك الموت بتفاحة من الجنة فشمها فقبض الله روحه وعمره مائة وعشرون، ويروى أَنه جاءَه ملك الموت فقال أَجب أَمر ربك فلطمه ففقأَ عينه فقال: يارب أَرسلتنى إِلى عبد لا يريد الموت ففقأَ عينى فرد الله عينه فقال: ارجع إِليه فخيره أَن يقبض على متن ثور ويعيش قدر ما قبض عليه شعرة بسنة. فقال موسى: فما بعد ذلك. قال: الموت قال: فمن الآن: فقال: يارب أُدننى من بيت المقدس رمية حجر فقربه إِلى جهته قدرها فقبضه، وكذلك ذهب إِلى كهف مع هارون فمات فدفنه موسى، فقالوا له قتلته لحبنا إِياه فتضرع إِلى الله عز وجل فأَوحى الله إِليه أَن اذهب إِليه معهم فإِنى أَحييه فناداه يا هارون فقام ينفض التراب فقال: أَنا قتلتك. قال: لا ولكن مت فعاد كما كان. وأَما يوشع فدفن فى جبل إِبراهيم وعمره مائة سنة وست وعشرون، أَقام في بنى إِسرائيل بعد موسى سبعاً وعشرين سنة، وكل هؤلاء دفنوا بلا حائل بينهم وبين التراب كالغراب، والسنة كذلك لا يحال بين كفن الميت والأَرض من فوق ولا من تحت أَو جانب إِلا الحد. ودفن قابيل هابيل بالتراب كالغراب بلا حائل تعليماً من الله أَن لا يجعل حائلا كما قال {لِيُرِيَهُ} أَى ليريه الله أَو الغراب بمعنى الإِعلام أَو التبصير. والتحقيق جواز تعليق الرؤية البصرية لإِفضائها إِلى معنى العلم {كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ} عورة أَخيه وهى بعد موته جسده كله أَو بعد تغييره، وسمى لأَنه يسوءُ ناظره ولا سيما ما هو منه العورة الواجب سترها ولأنه يقبح بقاء الميت غير مستور، أَو هى عورته الكبرى أَو السرة والركبة وما بينها، ويراد أَن غيرها كذلك وخصت لأَن ذكرها آكد. {قَالَ يَا وَيْلَتَى} ياهلكتى احضرى فهذا زمانك، والمراد التحسر وقد حضرتنى إِذ حملته ولم أَدفنه وزعم بعض أَن المعنى اعتراف على نفسه باستحقاق العقاب، ويروى أَنه لما هرب إِلى عدن أَتاه إِبليس فقال إِنما تقبل قربان أَخيك لأَنه يعبد النار فاعبدها أَنت وعقبك فعبدها وهو أَول من عبدها وكان لا يمر به أَحد إِلا رماه بحجارة لقتل هابيل فأَقبل ابن لقابيل أَعمى ومعه ابنه فقال ابن الأَعمى لأَبيه: هذا أَبوك قابيل، فرماه بحجارة فقتله، فقال الابن لأَبيه قتلت أَباك قابيل فلطم الأَعمى ابنه فقتله، فقال ويلى قتلت أَبى بالرمى وابنى باللطم، واتخذ أَولاد قابيل الطبول والزمور والعيدان والطنابير والخمور والفواحش وعبادة النار حتى أَغرقوا بالطوفان، ولم تبق إلا ذرية شيت {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ} عن أَن أَكون {مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} تعجب من أَنه لم يهتد إِلى ما اهتدى إِليه الغراب {فَأُوَارِىَ} عطف على أَكون أَى أَعجزت عن كونى مثل هذا الغراب فى الحفر والدفن وعن مواراة أَخى أَو منصوب فى جواب الاستفهام أَى أَكان منى عجز عن كونى مثله ومواراتى عطف للمواراة على عجز فى السبك {سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ} صار {مِنَ النَّادِمِينَ} فحفر له ودفنه، وندمه على حمله وعلى عدم اهتدائه للدفن وعلى فقد أَخيه ولما أَصابه من العذاب والسوء وسواد بدنه كما مر، وبراءَة أَبيه وأَمه منه، ومطلق الندم لا يكون توبة بل يكون الندم توبة إِذا كان معه تضرع إِلى الله وعزم على عدم العود وتدارك ما فعل بما يجب كدية أَو قود أَو طلب عفو، وكل ما وقع من المعاصى فى الأُمم وقع مثله أَو ما يناسبه بعد فليحذر الحاذر.قال عمارة اليمنى:

لا تعجبن لقدار ناقة صــالـــح فلكــل عصــــر ناقــــة وقــــدار

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} الذى فعل قابيل من قتل هابيل متعلق بالنادمين عند نافع، وقال الجمهور بقوله تعالى {كَتَبْنَا} وعليه فالإِشارة ليست إِلى نفس ما فعل قابيل إِذ لا مناسبة بين ما فعل قابيل ووجوب القصاص على بنى إِسرائيل، إِلى المفاسد التى لوح إِليها ذلك القتل وإِلى الخسارة فى قوله من الخاسرين والندم أَيضاً والتحسر بلا توبة. وخص بنى إِسرائيل مع أَن الحكم عام لمن قبلهم ومن بعدهم لكثرة القتل فيهم حتى قتلوا الأَنبياءَ وعالجوا قتل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسموه ومات بسمهم حين مات، ولأَنهم أَول من نزل عليهم فى الكتاب التغليظ فى القتل وقبلهم التغليظ بقول لا بكتاب، وأَصل الأَجل بإِسكان الجيم جناية الشر ثم استعمل فى تعليل الجناية ثم فى التعليل مطلقاً، ومن للابتداء وذلك كقولهم من جراك فعلته بشد الراءِ بوزن دعوى أَى من أَن جررته أَى جنيته، والمعنى من أَجل ذلك فرضنا {عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} أَى بغير قتل نفس مكافئة توجب القصاص أَو لا توجبه كأَب قتل ولده وقتل عبد فإِن قتل ذلك حرام ولا قصاص فيه ومن اقتص هلك. {أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرْضِ} أَما قتلتها بفساد كطعن وقطع طريق وردة وشرك فعبادة {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَاسَ جَمِيعًا} لفتحه باب القتل وتجرئه الناس حتى كأَن الناس قاموا كل يقتل آخر، ولأَن قتل الواحد كقتل الجميع فى جلب غضب الله عز وجل وانتهاك حد الله {وَمَنْ أَحْيَاهَا} أَبقاها حية مثل أَن يعفو عن قاتل وليه أَو ينجى أَحداً من موت بحرق أَو غرق أَو جوع أَو عطش أَو قاتل أَو سبع أَو داءٍ بنحو دواء ونحو ذلك. وزعم بعض أَن المعنى من أَعان على استيفاء القصاص {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} وقد قتلوا، وذلك لفتح باب إِبقاءِ الحياة وترغيب الناس فيه ومراعاة حق الله وحدوده، وفى ذلك محاماة إِذ قاتل غيرك كقاتلك ومسارعة إِذ كان محيى غيرك كمحييك فتحب المحيى وتعينه وترد مريد القتل وتبغضه {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ} أَى بنى إِسرائيل {رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ} ماهو واضح يتبين به لهم الحق والباطل من آيات تنزل أَو معجزات كالتوراة والزبور والإِنجيل وصحف موسى العشر والعصا واليد والطوفان ومعجزات عيسى عليهم السلام {ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ} المجىء بالبينات {فِى الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} بالمعاصى كالقتل وقيل بالإِشراك، وقيل بالقتل كما أَسرف قابيل، ولم يتأَثروا بما جاءَت به الرسل ومن ذلك شأْن التيه إِذ لم يقدروا على الخروج منه مع أَن الشمس تطلع والقمر والنجوم والفجر، ومن ذلك المن والسلوى وأَعطاهم من الكسوة ما يكفى على مقدارهم لما شكوا الجوع والعرى ولا تطول شعورهم، قيل: وإِذا ولد لهم مولود كان كالظفر يطول بطوله ويتسع بقدرة كذا قيل، ومع موسى حجر من الطور يضربه بعصاه فتخرج منه اثنتا عشرة عيناً ويضربه فيكف الماء وأَرسل الله عليهم الغمام يظلهم ولو كانوا يرون منه الشمس ويطلع عليهم عمود من نور يضىء لهم ليلا وذلك كله نعمة ولو كفروها إِذ كدرها حبسهم ولم يبق بعد الأَربعين إِلا أَولادهم الذين دون العشرين فخرجوا مع يوشع وفتح الشام كلها واستباح منها ثلاثين ملكاً وفرق عماله فيها وجمع الغنائم ولم تزل النار فأَوحى الله عز وجل إِليه أَن فيها غلول مرهم يبايعونك فالتصق يد رجل منهم بيده فقال هلم ما عندك فأَتى برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر فجعله فى القربان مع الرجل فنزلت النار فأَكلت الرجل والقربان، وكان العصبة تجتمع على عنق رجل من الجبارين بالضرب، وكادت الشمس تغرب ليلة السبت فدعا الله عز وجل فردت أَو وقفت ساعة حتى فرغوا، روى أَنه قال للشمس: أَنت فى طاعة الله وسأَل الله ووقف له القمر والشمس معاً ولما حان موت موسى سأَل الله أَن يدنيه للمقدس رمية حجر ولم يسأَل الدفن فيه لئلا يعبد قبره، وجرى على منوال قابيل وفسقه بنى إِسرائيل كفرة هذه الأُمة بالقتل وغيره، ونزل فى ذلك قوله تعالى
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} لمحاربة المسلمين أَى الموحدين الذين لا تحل دماؤهم فمحاربة المسلمين محاربة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله تعظيماً كقوله تعالى:
{ يؤذون الله ورسوله } [الأحزاب: 57]، ولو حاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم لكانوا مرتدين وإِنما المراد قطاع الطريق، قيل: ويحاربون أَولياء الله ورسوله بجر رسول فى هذا التقدير، وفيه أَنه لا يختص التحريم بأَولياء الله تعالى بل يعم كل من لا يحل قتله وذلك فى زمانه وبعده، وفى جعل محاربة المسلمين محاربة لله ورسوله تعظيم لهم، وأصل الحرب أَخذ المال وترك صاحبه بلا شىءٍ والمراد قطع الطريق باجتماع وقوة وشوكة وتعرض لمن عصم دمه ومال من عصم ماله من أَهل التوحيد وغيرهم، وذكر الله ورسوله لأَن قطع الطريق مخالفة لأَمر الله وهى أَمر عظيم، وذلك فى غير العمران، أَطلق عليه الحرب حقيقة عرفية أَو مجازا لأَنه سبب أَخذ المال ومن ذلك المكابرة باللصوصية ولوفى مصر أَو ليلا كما قال أَبو يوسف، وقال أَبو حنيفة ومحمد لا نجرى عليه فى المصر أَو فى أَقل من مسافة السفر أحكام قطاع الطريق بل أَحكام السرقة أَو القتل {وَيَسْعَوْنَ} يجتهدون وأَصله إِسراع المشى {فِى الأَرْضِ} أَرضهم وأَرض غيرهم {فَسَادًا} هذا السعى فى الأَرض فساداً هو المحاربة المذكورة ذكرت باسم عام ثم بخاص أَى ذوى إِفساد أَو نفس الإِفساد مبالغة أَو لأَجل الإِفساد، أَو يقدر مفسدين إِفساد أَو نفس الإِفساد مبالغة أَو لأَجل الإِفساد، أَو يقدر مفسدين إِفساداً أَو ضمن يسعون يفسدون، وهو فى ذلك كله اسم مصدر كما رأيت وأَجاز المبرد حالية المصدر قياساً وهو أَوفق لأَنه مجاز والعلاقة الاشتقاق أَو التعلق والمجاز مقيس {أَنْ يُقَتِّلُوا} بلا تصليب شدد للمبالغة فيمن يقتل بمعنى أَنه لا بدمن القتل ولا ينجو منه بعفو الولى أَو أَخذ الدية أَو يقتلوا كلهم لا فى نفس القتل لأَنه لا يقبل الزيادة وذلك قصاص إِن أَفردوا القتل وإِن شاءَ الولى عفا أَو أَخذ الدية ولو لم يتعدد ذلك منهم فللإمام قتلهم ولو عفا الولى أَو أَخذ الدية ولو لم يتعدد ذلك، وقيل إِن تعدد تبادر التجدد من قوله يحاربون ويسعون {أَو يُصْلَّبُوا} مكفتين إِن كفتوا وأَخذوا المال ومذهبنا أَن لا يصلب موحد، والتصليب أَن يعرض بخشبة ويطعن حتى يموت، وبه قال أَبو حنيفة وصاحبه محمد وقيل يقتل ثم يصلبوا ثلاثة أَيام وإِن خيف تغيره أَنزل قبل تمام الثلاثة، وقيل يصلبون قليلا قدر ما يعتبر به فينزل ويقتل وقيل يعرض ثلاثة أَيام ثم ينزل فيقتل، وقيل يعرض بها حتى يموت وقيل يقتل ثم يعرض ويترك حتى ينتن ويسيل ويتهرأ ويغسل ويصلى عليه غير المنظور إِليه عقب القتل فى ذلك كله، وقيل يصلى عليه بلا غسل، ومشهور المذهب إِطلاق أَنه لا يغسل ويصلى عليه وكذلك الخلاف فى المقتول بلا صلب وقيل يقتل قصاصاً وبصلب نكالا وعبرة ولا غسل لمشرك ولا صلاة {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ } اكفهم {وَأَرْجُلُهُمْ} أَقدامهم {مِنْ خِلاَفٍ} الأَيدى اليمنى والأَرجل اليسرى إِن اقتصروا على أَخذ المال وذلك أَن اليد التى تقطع فى السرقة هى اليمنى فكذا هاهنا ويزداد إِليها قطع الرجل اليسرى، قال صلى الله عليه وسلم: "من أَخذ المال قطع ومن قَتَلَ قُتِلَ، ومن أَخذ المال وَقَتَلَ صلب" ، جاءَه جبريل بهذا التقسيم فى أَصحاب أَبى بردة، ةالآية نزلت فى العرنيين نسبة إِلى عرينه قبيلة من العرب جاءوا المدينة وأَظهروا الإِسلام وهم مرضى فأَذن لهم النبى صلى الله عليه وسلم أَن يخرجوا إِلى إِبل الصدقة ويشربوا من أَبوالها وأَلبانها وهم ثمانية والإِبل خمسة عشر فلما صحوا قتلوا راعى النبى صلى الله عليه وسلم وهو يسار النوبى، واستاقوا الإِبل فبعث النبى صلى الله عليه وسلم عشرين فارساً منهم كرز بن جابر الفهرى أَميراً فجاءُوا بهم فأَمر بهم فسملت أَعينهم وقطعت أَيديهم وتركوا فى الحرة يعضون الحجارة ويستسقون ولا يسقون، فعل بهم ذلك ونزلت الآية بعد فعله. وسمل الأَعين إِحماء حديد وكحلها به، وهذا قبل تحريم المثلة أَو لأَنهم سملوا عين الراعى {أَو يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} يطالبهم الإِمام بالنكال أَو التعزير إِن أَخافوا ابن السبيل ولم يأَخذوا مالا ولا قتلوا ولا هربوا حتى لا يأَمنوا فى موضع يجرى فيه حكمه، وشبهت المطالبة بالنفى لأَنه يخرج بها عن الأَرض التى يفسد فيها أَرضاً لهم أَو لغيرهم وإِن قبض عليهم قبل الهروب أَو بعده نكلهم أَو عزرهم، وكذلك يطالب من أَخذ مالاً أَو قتل أَو جمع بينهما حتى يقبض عليه فينفذ فيه تلك الأَحكام، وهذا مذهبنا، وقالت الشافعية: ينفون من كل بلد يدخلونه حتى لا يجدوا إِقراراً بلا ضرب إن قبض عليهم، ومنهم من قال: ينفى أَربعة برد عن وطنه ليستوحش فصاعدا، وأَلحق بعض الشافعية بالنفى ما ينزجرون به من ضرب أَو حبس، وقال أَبو حنيفة: يمنعون من التصوف فى الأَرض حيث شاءوا بالحبس كما قال محبوس فى مكان ضيق وطال حبسه:

خرجنا من الدنيا وعــن وصـــل أهلها فلسنا من الأَحيـا ولسنا من المـــوتى
إِذا جـاءَنا السجــان يومـاً لحاجـة عجبنا وقلنا جــاءَ هـذا من الدنيــا

وقال مالك إِن الإِمام مخير فى هؤلاءِ كلهم بظاهر الآية لأَن المراد الزجر فبأَى ينزجر الناس به يحكم فقد لا ينزجر الحى بقتل من قُتل وقد ينزجر بنفيه، وقد ينزجرون بالقتل أَو بالقطع وهو مروى عن الحسن البصرى والنخعى، وما ذكرته أَولى لأَن القتل يوجب القصاص فغلظ هنا بأَن لا يسقط ولو أَسقطه الولى، فهو حد والسرقة توجب القطع فغلظ هنا بالقطع من خلاف وإِن قتل وأَخذ مالا غلظ بالتصليب، والإِخافة أَخف فخفف بالتعزير أَو النكال أَو بالنفى على ظاهره أَو الحبس، وقيل أَو فى الآية تخيير للإِمام بين تلك الأَحكام كلها فى كل قاطع وإِن أَراد ولى الدم العفو عن قاطع الطريق وزاحمه الإِمام فإِن شاءَ قتل وإِن شاءَ أَمر الولى بالقتل، ولا يسقط القتل بالعفو عن قاطع الطريق وإِنما يسقط بعفو الولى فى غير القاطع وللولى الدية فى مال القاطع {ذَلِكَ} الجزاء المذكور فى قوله إِنما جزاء {لَهُمْ} خبر واللام للاستحقاق أَى هو لائق بهم {خِزْىٌ} خبر ثان أَو خبر ولهم حال من خزى أَى ذل وفضيحة {فِى الدُّنْيَا} والحصر فى إِنما جزاء بالاضافة إِلى الدنيا وأَما الآخرة ففى قوله {وَلَهُمْ فِىالآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النار لعظم ذنوبهم من إِضرار الناس ولا سيما ما معه شرك، ولم يسم الأَول الذى فى الدنيا عذاباً لأَنه بالنسبة إِلى عذاب الآخرة كلا عذاب، أَو لأَنه تحقير كما حقروا الناس والجزاء من جنس العمل، ولأَنه زجر للناس عن فعلهم.