التفاسير

< >
عرض

وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٠٢
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
١٠٣
أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
١٠٤
وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٠٥
-التوبة

تيسير التفسير

{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، ولم يعتذروا بأَعذار كاذبة قبل خروجه ولا بعد رجوعه، كما أَنه لا عذر لهم صادق يعتذرون به وهم طائِفة من المتخلفين وآخرون مبتدأٌ واعترفوا نعته، الخبر خلطوا أَو هما خبران {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً} كاعترافهم بالذنب خصوصا وجهادهم السابق وأَعمالهم السابقة {وَآخَرَ سَيِّئاً} كتخلفهم من غزوة تبوك وكونه يوافق المنافقين وهم مؤمنون مخلصون فى توحيدهم لكن كسلوا، وقيل: نافقوا وتابوا وقيل الآية فى جميع المؤمنين وجميع أَعمال البر والسوءِ: والواو عاطفة فيصدق الخلط هذا بذاك وعلى خلط ذاك بهذا أَو على خلطهما دفعة، ولو جعلت معية لم يصح إِلا لمعنى واحد، والأَصل فى الواو العطف، وأَيضا لا حاجة للمعية مع قوله خلطوا وهذه الواو كالباءِ التى للإِلصاق، وخلطت الماءَ واللبن وخلطت الماء باللبن سواءٌ، إِلا أَن مدخول الباءِ يعتبر مقصودا ثانيا تقصد الماءَ أَولا ويجعل مخلوطا باللبن، كذا قيل، وحقق بعض أَن الكل سواءٌ، وقال السكاكى: التقدير خلطوا عملا صالحا بسىء وآخر سيئا بصالح، ويقال فى الآية احتباك {عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أَى يقبل توبتهم التى وفقهم الله إِليها فاعترفوا بذنوبهم وعسى من الله إِثبات ووعد إِجماعا ونكتة التعبير بها أَو بلعل التلويح بأَنه لا واجب عليه عز وجل والتحذير أَن يتكل عامل على عمله {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ} للذنوب {رَحِيمٌ} بالجناة وأَشباههم وهؤلاءِ المعترفون أَوثقوا أَنفسهم على سوارى المسجد لما بلغهم ما نزل فى المنافقين فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد على عادته فى الرجوع من السفر فصلى ركعتين فرآهم، فسأَل عنهم فذكر له أَنهم أَقسموا أَن لا يحلوا أَنفسهم حتى تحلهم، فقال: "وأَنا أُقسم أَن لا أَحلهم ولا أَعذريهم حتى أُومر فيهم، رغبوا عنى وعن الغزوة مع المسلمين فنزل قوله تعالى:{وآخرون اعترفوا} إِلخ فأَطلقهم" ، وهم: أَبو لبابة رفاعة بن المنذر وجماعة معه وهو من أَهل الصفة، والجملة عشرة أَو ثمانية أَو خمسة أَو ثلاثة: أَبو لبابة وأَوس بن ثعلبة ووديعة بن حرام أَقوال، وفى جميعها أَبو لبابة معهم، ويقال: لما قرب فى رجوعه من تبوك ندموا وربطوا أَنفسهم فى سوارى المسجد، وقيل: ربط نفسه اثنتى عشرة ليلة فى سلسلة ثقيلة تحله بنته أَوقات الصلاة وقضاءِ الحاجة ثم تربطه، وربط نفسه مرة أُخرى سبعة أَيام، وحلف لا يأْكل ولا يشرب حتى يحله صلى الله عليه وسلم فصار يغشى عليه من الجوع، ولما نزلت توبته حله بيده صلى الله عليه وسلم، ولما تاب الله عليهم قالوا: هذه أَموالنا التى تخلفنا بسببها فتصدق بها وطهرنا، فقال: "ما أُمرت أَن آخذ من أَموالكم شيئاً، فنزل قوله تعالى:
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}"
بيدك أَو يد مأْمورك أَو اقبلها أَو اعتبر لها لا تلغها، وأَخذه وقبوله أَخذ من الله تعالى وقبول منه عز وجل " { إِن الذين يبايعونك إِنما يبايعون الله } "[الفتح: 10] {صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ} ادع بالخير {عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وقولهم التى تخلفنا بسببها صريح بأَن تخلفهم لميلهم إِلى أَجنتهم الظليلة وإِصلاحها وإِصلاح باقى أَموالهم، وذلك مع شدة الحر، والصدقة هذه نفل كما يتبادر من إِعطائها كلها ما يزكى وما لا يزكى، ولو احتمل أَنهم تبرعوا بها على الزكاة، إِذ منعوها، وهذا بعيد بل ممنوع، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما أُمرت أَن آخذ من أَموالكم شيئاً ولو كانت زكاة لأَخذ قدرها" ، روى أَنه أَخذ ثلث أَموالهم، وقال جمهور الفقهاءِ قوله:{خذ من أَموالهم} كلام مستأْنف فى إِيجاب الزكاة، أَلا ترى إِلى قوله من أَموالهم بمن التبعيضية، وهذا البعض مقدار الزكاة والصدقة غسالة أَوساخ الناس تزول بها عن الأَموال والقلوب الأَوساخ، والصحيح أَن قوله{خذ من أَموالهم} متصل بتوبة المعترفين بذنوبهم، وأَنها فيهم كما روى أَنها فيهم فيسنُّ لمن أَذنب بسبب مال أَن يتصدق به أَو بثلثه لذلك، وضمير تطهر للصدقة أَو له صلى الله عليه وسلم كضمير تزكى أَى تطهرهم بها، أَو هو من باب التنازع والجملة مستأْنفة أَو نعت لصدقة والأَول أَولى، لأَنه لا يعلم الصدقة الموصوفة المقيدة بالقبول إِلا أَن يجرى على الظاهر، والمراد التطهر من الذنوب وحب المال والتزكية للحسنات والرفع إِلى منازل المخلصين الخارجين إِلى الجهاد، وصلاته عليهم دعاءٌ لهم واستغفار، ويسن للإِمام أَن يدعو للمتصدق أَو يجب أَو يستحب أَو يجب فى الفرض ويستحب فى التطوع، أَقوال. وعلى الأَول الشافعى قال: يقول آجرك الله فيما أَعطيت وبارك لك فيما أَبقيت، ويستحب للفقير أَن يدعو للمعطى ومن تحت الإِمام العدل، حتى تعلم منه كبيرة، ومعنى كونها سكنا لهم أَنهم يطمئِنون إِليها، فإِن سكن الشىءِ ما تطمئن إِليه نفسه ويرتاح إِليه، والله سميع باعترافهم عليم بندمهم، أَشار إِلى قبول توبتهم بعسى وصرح أَو كاد فى قوله "خذ" إِلخ، وزاد فى قوله:
{أَلَمْ يَعْلَمُوا} أَى هؤلاءِ التائِبُون المعرفون {أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} فإِنه لو لم يقبل توبتهم لم يأْمره بأَخذ صدقاتهم النافلة فى معرض الذنب، والتوبة مع وصفها بأَنهم يطهرون ويزكون بها، ولولا القبول لم يقل صل عليهم ولولا القبول لم يزل توحشهم، بالذنب بأَن مكن فى قلوبهم بالاستفهام التقريرى أَنه يقبل التوبة والصدقات، فكيف لا يقبلها عنهم، وبأَنه هو التواب الرحيم، وذكرهم بما فعلوا فعلم أَنهم المراد بالذات فى عموم عباده، أَو هم المراد بالعباد، وهذا أَشد رحمة لهم إِذ ذكرهم بالعبودية له، ومعنى أَخذه الصدقات قبولها ليجازى عليها، فهو مجاز مرسل لعلاقة اللزوم والتسبب، أَو استعارة لأَن الآخذ حقيقة هو الرسول كما قال {خذ من أَموالهم صدقة} فهم تصدقوا تكفيرا لذنوبهم، وقبلها ليغفرها لهم ويتفضل عليهم كما قال{وأَن الله هو التواب الرحيم} وقيل الصدقة الزكاة، أَمره الله تعالى أَن يقبلها منهم فيمتازوا عمن ردها عليهم ويبعد أَن يرد الضمير فى يعلموا للناس مطلقاً، نعم فى الآية ترغيب للعصاة مطلقاً فى التوبة، كما أَن فى التعبير بالأَخذ تلويحاً إِلى إِعطاءِ الفقراءِ فيأْخذون، وروى أَنه لما تيب عليهم قال الذين لم يتوبوا: هؤلاءِ الذين تابوا كانوا بالأَمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم اليوم فنزل {أَلم يعلموا أَن الله هو يقبل التوبة} إلخ، ولهذا قيل برجوع واو يعلموا للناس كلهم أَو لقائِلى ما لهم اليوم. قال أَبو عثمان الهندى: ما فى القرآن أرجى آية عندى لهذه الأُمة من قوله تعالى:{وآخرون اعترفوا} إِلخ... قال مطرف إِنى لأَستلقى من الليل على فراشى وأَتدبر القرآن فأَعرض أَعمالى على أَعمال أَهل الجنة فأَجد أَعمالهم شديدة، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، يبيتون لربهم سجدا وقياماً، أَمَّن هو قانت آناءَ الليل ساجداً وقائماً. فلا أَرانى منهم فأَعرض نفسى على هذه الآية
" { ما سلككم فى سقر } "[المدثر: 42] فأَرى القوم مكذبين فلا أَرانى منهم، فأَمر بهذه الآية {وآخرون اعترفوا} فأَرجو أَن أَكون منهم، وأَنتم يا إِخوتاه منهم، والمشهور فى ذلك قوله تعالى: " { قل يا عبادى الذين أَسرفوا } "[الزمر: 53] إِلخ، لكن آية السورة تدل على التوبة، وهى من الذنوب وقبول الله التوبة يقتضى صدورها منهم، والمعنى اعترفوا بذنوبهم وتابوا منها، والاعتراف بالذنب مع الندم توبة منه مع عزم على عدم العود وعسى من الله وعد وهو تعالى لا يخلفه:
{وَقُلِ اعْمَلُوا} الخطاب للناس أَو لهؤلاءِ التائِبين المقبولة توبتهم ردعا لهم عن الأَمن من مكر الله، وعن أَن ييئسوا من قبول التوبة من ذنب آخر، اعملوا ما شئْتم من خير أَو شر {فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ} يجازيكم عليه أَى لا يخفى عنه، وعدم خفائِه سبب للجزاءِ وملزوم له ولذلك كان بمضارع الاستقبال، وإِلا فالله يرى الأَعمال أَى يعلمها بلا أَول لعلمه {وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ} عطف على لفظ الجلالة، ومجازاة الرسول والمؤمنين لأَصحاب الأَعمال الثناءُ عليهم والدعاء لهم، قال أَبو هريرة: إِن الله يقبل الصدقة من حلال فيربى اللقمة حتى تكون كأَحد، وعنه صلى الله عيه وسلم:
"تقع الصدقة فى يد الله قبل يد السائل" ، ومعنى يده تعالى عنده، ولا يقبل الله إِلا حلالاً ولا يصعد إِلى السماءِ إِلا حلال، أَى لا يصعد إِليها فيدخلها لأَن الحرام يصعد فيرد دونها، وروى أَبو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أَن أَحدكم يعمل فى صخرة صماءَ لا باب ولا كوة لخرج عمله وظهر" . وفى الشر الذم لهم والدعاء عليهم، وذلك بإِخبار الله تعالى لهم، وأَكد ذلك بقوله {وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فذكر الجزاءَ مرتين؛ مرة بقوله{سيرى} وثانياً بقوله{ينبئُكم} وزاد تأْكيداً فى الثانى بالإِسناد إِلى عالم الغيب والشهادة، أَى سيجازيكم على أَعمالكم من لا يخفى عنه منها أقل من ذرة، أو الأول المجازاة والثانى الإِخبار بها أَنها كذا وكذا.