التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ
٢٦
-التوبة

تيسير التفسير

{ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ} رحمته وطمأنينته بمشاهدة أَمارة النصر فى شأن من لم يهرب ومشاهدة الملائكة فى شأنه صلى الله عليه وسلم، واستحضار أَن وعد الله حق فى حق المنهزمين، سماها سكينته لأَنهم يسكنون بها ويأْمنون، وهى سبب للسكون وزوال الاضطراب والخوف عن المؤمنين، وبالنسبة إِليه صلى الله عليه وسلم السكينة منع عروض الخوف {عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أَعاد على بياناً للفرق بين حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال المؤمنين فإِنه لم يضطرب ولم يقلق فإِنزال السكينة عليه إِبقاء على أَمنه. وعلى المؤمنين إِزالة خوفهم واضطرابهم ورجوعهم من الانهزام، والمؤمنون من بقوا معه ومن بعد عنه ومن فر. وقيل: المراد بالمؤمنين الذين بقوا معه، وإِعادة على لما فيهم من خوف أَو لعقوبة إِنزال السكينة فيهم. والمراد إِنزالها على المؤمنين. وذكر الرسول للتبرك. ولما رجعوا للقتال أَعانتهم الملائكة كما قال عز وجل {وَأَنْزَلَ جُنُودًا} ملائكة {لَمْ تَرَوْهَا} بأَبصاركم، ورآها المشركون ليذلوا وحجب الله عنها أَبصاركم لئلا تتكلوا عليها. وهى خمسة آلاف " { يمددكم ربكم بخمسة آلاف } "[آل عمران: 125]. قاله سعيد بن جبير، ولعله قياس على يوم بدر، وقيل ثمانية آلاف " { أَلن يكفيكم أَن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف } " [آل عمران: 124] فالخمسة والثلاثة ثمانية. وقيل ستة عشر أَلفاً. قال سعيد بن المسيب: حدثنى رجل من المشركين أَسلم: إِنا سقنا المسلمين ولم يمكثوا حلب شاة، لما انتهينا إِلى صاحب البغلة البيضاء تلقانا رجال بيض الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه، ارجعوا فرجعنا، فركبوا أَكتافنا. قال البراء بن عازب: عدد العسكرين عسكر المؤمنين اثنا عشر أَلفاً، وعدد الكفار أَربعة آلاف، والذى لا إِله إِلا هو ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قط. ورأَيته وأَبو سفيان آخذ بركابه والعباس آخذ بلجام بغلته دلدول، يقول: أَنا النبى لا كذب، أَنا ابن عبد المطلب. ويركض نحو العدو، وما مر آنفاً عن سعيد بن المسيب يدل على أَن الملائكة قاتلوا يوم حنين، بل روى عنهم أَنهم قاتلوا. وقيل: ما قاتلوا بل أَرعبوا المشركين وأَلقوا فى قلوب المؤمنين الخواطر المحسنة، وصححوا أَن الملائكة لم تقاتل إِلا يوم بدر. وعن شيبة بن عثمان: استدبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين أَريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن أَبى طلحة قتلا يوم أَحد فأَطلعه الله عز وجل على ما فى نفسى فالتفت إِلى فضرب فى صدرى فقال: "أَعيذك بالله يا شيبة" ، فارتعدت فرائصى فنظرت إِليه وهو أَحب إِلى من سمعى وبصرى، فقلت: أَشهد أَنك رسول الله، قد أَطلعك الله تعالى على ما فى نفسى، ولما هزم المشركون بوادى حنين أَدبروا أَو نزلوا بأَوطاس، وبها عيالهم وأَموالهم وقد ساقوها معهم ليشتدوا فى القتال، أَرسل أَبا عامر الأَشعرى على جيش إِليهم وقاتلوهم، وهرب أَميرهم مالك بن غوث إِلى الطائف وتحصن فيه، وأَخذوا ماله ومال غيره وأَسروا ستة آلاف، وقتل فى ذلك أَمير المؤمنين أَبو عامر رضى الله عنه، وحاصر صلى الله عليه وسلم الطائف بقية شوال، ولما دخل ذو العقدة ارتحل عنهم، وعمائم الملائكة يوم حنين عمائم حمر مرخاة بين أَكتافهم {وَعَذَّبَ الِّذِينَ كَفَرُوا} بالقتل من المسلمين، قيل: ومن الملائكة. قال رجل من بنى نصر يقال له شجرة للمؤمنين: أَين الرجال البيض وعليهم ثياب بيض والخيل البلق، ما كنا نراكم فيهم إِلا كهيئة الشامة، وما قتلنا إِلا بأَيديهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "تلك الملائكة" . فإِن صح الحديث فظاهره أَن الملائكة قاتلوا يومئذ، ويحتمل أَن المراد بالقتل إِعانة القاتل المؤمن بظهورهم ظهوراً يرعب المشركين، وهزم المشركين وأَسر منهم ستة آلاف بين النساء والصبيان، وعن سعيد بن المسيب: أَصابوا ستة آلاف صبى. ويروى أَنهم أَخذوا منهم اثنى عشر أَلف بعير ومن الغنم ما لا يحصى، وأَسلم قوم منهم، وأَتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: هؤلاء المأسورات أَخواتك وخالاتك وعماتك، يعنون من الرضاع لأَن هؤلاء المشركين المحاربين هم ثقيف وهوازن، وكان هوازن قوم حليمة السعدية مرضعته صلى الله عليه وسلم وهو أَعم من بنى سعد، فخيرهم بين هؤلاء والأَموال فاختاروا هؤلاء النساء والصبيان لأَنهم أَحب من المال إِليهم، ولئلا يعيروا لو اختاروا المال. فقال: أَما مالى ولبنى هاشم فقد تركته. ونادى مناديه: من ترك سهمه أَعوضه مما يفتح الله، فتركوا سهامهم بلا عوض، إِلا عيينة فبعوض، وقال صلى الله عليه وسلم: "ارفعوا إِلىَّ عرفاءَكم فإِنى لا أَدرى من رضى ممن لم يرض" ، ففعلوا ولم يعط الأَنصار وأَعطى رجالا من قريش المائة من الإِبل كأَبى سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهل بن عمرو وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأَقرع بن حابس. ولم يتم العباس بن مرداس مائة فقال الأَبيات المشهورة "أَتجعل نهبى" إِلخ.. فأَتمها... وقال رجال من الأَنصار: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فجمع الأَنصار وحدهم فى قبة من جلد فقال: بلغنى عنكم قول كذا. فقالوا: يا رسول الله قاله شبان لا ذوو الرأى منا، فقال صلى الله عليه وسلم: "أَعطى رجالا حديثى عهد بالإِسلام أَتأَلفهم، أَفلا ترضون أَن يذهب الناس بالمال وتذهبون برسول الله، وهو خير" . فقالوا: رضينا. وقال: "ستجدون بعدى أَثرة شديدة فاصبروا حتى تلقونى على الحوض" . قالوا: نعم. قال أَنس: فلم نصبر. وقال: "أَلم أَجدكم ضلالا فهداكم الله تعالى بى، ومفترقين فجمعكم الله بى، وعالة فأَغناكم الله بى، وأَذلة فأَعزكم الله تعالى بى. وكلما قال قالوا: الله ورسوله أَمنُّ. وقال: لو شئتم لقلتم: طردك قومك فآويناك. وخذلوك فنصرناك، وكفروا بك وآمنا بك. فقالوا: لا نقول.. المنة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم علينا، وقال: لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأَنصار، ولو سلك الناس وادياً أَو شعباً لسلكت وادى الأَنصار أَو شعبهم.." "الأَنصار شعار والناس دثار" {وَذَلِك} التعذيب بالأَسر والسبى والجروح والإِيجاع {جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب لا ينقطع فلهم عقابان إِلا من تاب.