التفاسير

< >
عرض

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ
٥٠
قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
٥١
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ
٥٢
قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ
٥٣
وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ
٥٤
-التوبة

تيسير التفسير

{إِنْ تُصِبْكَ} يا محمد فى الغزو أَو غيره {حَسَنَةٌ} ما يستحسن بالطبع كالظفر والغنيمة ودخول الناس فى الإِسلام والهدايا. وكون الكلام فى الغزو لا يمنع التعيم فى الحسنة والسيئة {تَسُؤْهُمْ} بالحزن لشدة بغضهم وحسدهم {وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} فعلة مصيبة هذا هو الأَصل ثم استعملت لفظة مصيبة اسما غير وصف وفى الشر دون الخير، وذلك كالقتل والشدة يوم أُحد وكل ما يكره، ولو مرضاً أو شتما وذلك فى نفس الأَمر، وأَما الآية فالمصيبة فى الغزو لقوله تعالى {يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَولَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} جملة هم فرحون حال من واو يتولوا وكفى، لا منها ومن واو يقولوا إِذ لا يعمل فى الحال عاملان وكذا غيرها، وقابل الحسنة بالمصيبة ولم يقابلها بالسيئة كما فى آل عمران، وإِن تصبكم سيئة يفرحوا بها لأَن {ما} هنا للنبى صلى الله عليه وسلم وما أَصابه من سوءٍ هو مصيبة يثاب عليها و {ما} فى آل عمران للمؤمنين، وهم قد تصيبهم سيئة لذنبهم، ومعنى أَخذهم أَسرهم من قبل هو حذرهم كالتخلف يوم أَحد قبل المصيبة، وإذا سمعوا أَن سلطانه أوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبوا إِليه أَو أَرسلوا إِليه: نحن معك تحرزا وأَخذاً الحذر، وتوليهم ذهابهم عن موضع اجتماعهم وتحدثهم، ويضعف أَن يفسر بالتولى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأَنه لم يجر ذكر لاجتماعهم معه حين أُصيب، وحذف من الأَول ياليتنا كنا معه فنفوز فوزاً عظيماً، لأَن المقام بيان لقسوتهم، وحذف من الثانى ذكر شماتتهم بما أَصابهم من ضر ومشقة، وذلك احتباك، ولما جعل المنافقون المتخلفون يخبرون أَخبار السوء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَصحابه بأَنهم لقوا مشقة السفر وهلكوا، كذبهم الله تعالى بقوله:
{قُلْ} يا محمد لهم ردًّا لفرحهم بمصيبتك {لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} فى اللوح المحفوظ أَن يصيبنا، أَو ما كتب قضى أَو ما خص لنا من خير الدنيا والآخرة مثل النصر والشهادة ومن سوءِ الدنيا ونثاب عليه، والياءُ عن واو مكسورة نقل كسرها الصاد فقلبت ياءً من الصواب، بمعنى وقوع الشىءِ فيما قصد به، أَو من الصوب وهو النزول. قال كعب الأَحبار سبع آيات فى كتاب الله تعالى إِذا قرأتهن لا أُبالى ولو انطبقت السماوات على الأَرض لنجوت {قل لن يصيبنا... إِلى المؤمنون} و
" { وإِن يمسسك الله بضر... } [يونس: 107] إلى { الرحيم } "[يونس: 107] و " { وما من دابة فى الأَرض... } [هود: 6] إلى { مبين } "[هود: 6] و " { إِنى توكلت على الله... } [هود: 56] إِلى { مستقيم } " [هود: 56] و " { وكأَين من دابة... } [العنكبوت: 60] إِلى قوله { السميع العليم } " [العنكبوت: 60] و " { ما يفتح الله للناس... } [فاطر: 2] إلى قوله { الحكيم } "[فاطر: 2] و " { لئن سأَلتهم من خلق السماوات والأَرض... } [الزمر: 38] إِلى { المتوكلون } "[الزمر: 38] {هُوَ مَوْلاَنَا} متولى أَمرنا بالنصر ومصالحنا كلها، وأَن الكافرين لا مولى لهم. {وَعَلَى اللهِ} لا على غيره {فَلْيَتَوَكَّلِ} الفاء للتأْكيد والربط فلا تمنع تعلق ما قبلها فيما بعدها وعبارة بعض أَنها للاستجابة ولا يظهر ذلك وإذا كانت للتأْكيد والربط لم يجتمع عاطفان (الواو والفاء) ويجوز تعليقه بمحذوف عطف عليه بالفاء، أَى وعلى الله توكلنا فليتوكل عليه سائر المؤمنين، وقيل الفاءُ فى جواب شرط وإِنما قدم معمول ما بعد الفاءِ عليها ليبقى شىءٌ قبلها أَى وَإِذا كان الأَمر كذلك، فليتوكل المؤمنون على الله عز وجل {المُؤْمِنُونَ} إِذ لا يليق بإِيمانهم أَن يتوكلوا على غيره، ثم إِن كان قوله {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} من مقول القول فإِظهار اسم الجلالة للتلذذ والتعزز وإِلا فالمقام للإِظهار. ثم بعد ما رد فرحهم بما يسوءه صلى الله عليه وسلم بقوله {قل لن يصيبنا} إِلخ، رده أَيضاً بقوله:
{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ} تتربصون أَى تنتظرون، وأَيضاً فى هذا بيان لقوله تعالى: {قل لن يصيبنا إِلا ما كتب الله لنا} والتربص يقع فى الخير كما يقع فى الشر، والأَصل تتربصون حذفت إِحدى التاءَين {بِنَا} يقال انتظر به ولا يلزم أَن يقدر هل تربصون أَن يقع بنا، بل لو قدر لكان مفعولا به ليتربص، ولكان التفريغ فى الإِثبات لأَن النفى بهل حينئذ تسلط على قوله: أَن يقع بنا {إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} الخصلتين أَو الفعلتين أَو العاقبتين الحسنيين، وقد تغلبت الاسمية على العاقبة وهما النصر والشهادة، قال أَبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" تكفل الله تعالى لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه من بيته إِلا الجهاد فى سبيله وتصديق كلمته، أَن يدخله الجنة أو يرجعه إِلى مسكنه الذى خرج منه مع ما نال من أَجر وغنيمة" ، أى أو مع ما نال من أَجر، ولا يلزم أَن يقال النصرة بالتاء لأَنه يقال النصر فعلة حسنة، ولا يقال الكرم خصلة حسنة، وكذا فعلة وتربص الكافرين يتحقق فى الشهادة من حيث إِنها قتل لا من حيث إِنها شهادة. وأَما فى النصر للمؤمنين فلا تربص لهم فيه إِلا باعتبار المال، كلام الصيرورة، وذلك بالنظر إِلى ما فى نفس الأَمر لأَنهم لا يحبون النصرة للمؤمنين، ولا ينتظرون، فأَطلق التربص فيهما تغليباً أو استعمالا للكلمة فى المجاز والحقيقة، والحسنى تأْنيث الأَحسن وهما للتفضيل، فكلاهما أَحسن معا من غيرهما وليس المراد أَن إِحداهما أَحسن من الأُخرى، اللهم إِلا أَن يقال كل أَحسن من الأُخرى من وجه، فاعتبار أَن النصر قتل لأَعداءِ الله عز وجل وإِذلال لهم، وإِقامة للدين فى الحين وما بعد الحين يكون أَفضل، وباعتبار أَن الشهادة إِفضاءٌ إِلى الحبيب سبحانه تكون أَفضل، وعنه صلى الله عليه وسلم: "يضمن الله عز وجل لمن خرج فى سبيله لا يخرج إِلا إِيماناً بالله وتصديقاً لرسوله أَن يدخله الجنة أَو يرجعه إِلى منزله الذى خرج منه نائلا ما نال من أَجر أَو غنيمة" ، فإِحدى الحسنيين: المغفرة أَو الجنة، والأُخرى الأَجر أَو الغنيمة، على منع الخلو لا على منع الجمع، ولا مانع من اَن يكون قوله تعالى: {قل هل تربصون بنا} إِلخ تهكما بهم بأَن ما تنال هو ما تحبون لنا وهو إِحدى الحسنيين، جعلهم كأَنهم يحبون الخير للمسلمين. {وَنَحْنُ} معشر المؤمنين {نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ} داهية كصاعقة ثمود وريح عاد وخسف قارون وغيره، وقوله نحن للحصر فيما زعم أَهل المعانى أَو للتأْكيد، إِذ لم يقل ونتربص، ولذلك غيره عن أَسلوب قوله "تربصون" {أَوْ بِأَيْدِينَا} بَأن يأْذن لنا فى قتالكم لأَنه صلى الله عليه وسلم لا يقاتل المنافقين لأَنهم لم يظهروا الشرك والعناد ولو فعلوا لقاتلهم. وإِنما يقاتلهم بالحجة لا بالسيف، قال عز وجل: جاهد الكفار، أَى بالسيف، والمنافقين أَى بالحجة، ولم يقل أَن يصيبكم بإِحدى السوءَيين كما قال إِحدى الحسنيين لأَن المقام لبيان ما يصيبهم وإِرهابهم به والعطف على بعذاب أَو على من عنده، وهو نعت عذاب أَى ثابت من عنده، أَو بأَيدينا أَى أَو ثابت بأَيدينا {فَتَرَبَّصُوا} بنا ما تربصون، أَو ما هو عاقبتنا. أَو مواعد الله تعالى لنا، بمعنى أَنها العاقبة، ولو لم تكن فى حسبان الكفار، والعطف عطف إِنشاء على إِخبار أَو الفاءُ فى جواب شرط، أَى إِذا كان الأَمر كذلك فتربصوا والأَمر للتهديد. {إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} ما يقع بكم أَو ما عاقتكم أَو مواعد الشيطان من المهالك، أَو تربصوا مواعد الشيطان، إِنا معكم متربصون مواعد الله عز وجل، وحذف متعلق التربصين للعلم به مما مر ويحتمل العموم، وعلى كل حال إِذا وقع ما يتربص فزنا وخبتم وشاهدنا ما يسرنا أَو شاهدتم ما يسوءكم إِن عذبتم بعذاب من عند الله أَو بأَيدينا، ونزل فى الجد ابن قيس، إِذ قال: لا أَخرج معك لأَنى لا أَصبر عن النساءِ، ولكن أُعِينُكَ بمالى، وفى غيره ممن على رأيه أَو فى المنافقين مطلقا قوله تعالى:
{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} قل يا محمد لهم أَنفقوا أَموالكم طائعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى أَمره لكم بالإِنفاق أَو لله تعالى فى أَمره به أَو كارهين أَو ذوى طوع أَو كره أَو إِنفاق طوع أَو كره. لن يتقبل الله إِنفاقكم فى طاعة الله على رغمكم أَو برضاكم، لا يثيبكم عليه أَو لن يأْخذه عنكم رسوله، كما يقويه قصة ثعلبة لأَنكم كنتم خارجين عن الطاعة بالعناد، ونائب يتقبل عائد إِلى الإِنفاق المعلوم من قوله أَنفقوا أَو إِلى المال المعلوم منه، ومعنى الطوع عدم الإِلزام والقهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا الرغبة فى الطاعة لقوله تعالى{ولا ينفقون إِلا وهم كارهون}، أَى كارهون بقلوبهم ولا بأَس بإِبقاء الطوع على رضا النفس أَو طاعة الله، لأَن الأَمر تهديد لا يقبل عنهم ولا على تقدير قصد وجه الله، وفى قوله عز وجل {لن يتقبل منكم} استعارة تمثيلية شبهت حالهم فى النفقة وعدم قبلوها بوجه من الوجوه بحال من يؤمر ليجربه فيظهر له عدم جدواه، وإِنما لا يقبل أَن أَنفقوا لأَنهم لم يقصدوا به وجه الله عز وجل، وإِنما علل عدم القبول بالفسق مع أَنه علله بقوله:
{وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} لأَنَّ هذا أَعم من الأَول، وأَراد بقوله فاسقين ما ذكره هنا فهذا تفسير له، وحاصل الكلام الإِخبار أَى سواءٌ إِنفاقكم طوعا وإِنفاقكم كرها فىعدم قبوله فإِنهم إِذا أَنفقوا طوعاً إِنما ينفقون رياءً أَو لغرض من الدنيا، شبه النسبة الخبرية بالنسبة الإِنشائية فى اللزوم ثم استعير للنسبة الخبرية لفظ الأَمر، وقلنا الأَمر فى معنى الخبر كقوله لن يتقبل، وفائدة التعبير عن الخبر بالأَمر التأْكيد والمبالغة فى تساوى الأَمرين وكأَنه قيل أَنفقوا على أَى حال أَردتم، ثم انظروا هل يتقبل منكم. شبه الهيئة المنتزعة من إِنفاقهم طوعا أَو كرها وعدم قبوله لانتفاءِ شرطه بحال من أُمروا بالإِنفاق لا لطلب الفعل منهم، بل ليمتحنوا فينفقوا أَيتقبل منهم أَو لا، والجامع عدم الفائدة مع الاشتغال بأَفضل القربى، وفاعل منع أَنهم كفروا أَى وما منعهم من أَن يتقبل نفقاتهم إِلا كفرهم بالله إِلخ، أَو فاعله ضمير يعود إِلى الله، أَى وما منعهم الله فيقدر إِلا لأَنهم، ويجوز أن لا يقدر من على تعدية منع لمفعولين ثانيهما غير صريح أَو على بدل الاشتمال من الهاءِ، والكسل التثاقل وإِنما ينفقون كرها لا طوعاً لأَنهم مشركون بالباطن، لا يرجون ثواباً ولا عقاباً لكفرهم بالبعث والمراد كارهون للإِنفاق لأَنهم يعدونه خسارة وأَنه لا ثواب عليه لأَنهم منكرون للبعث، أَو شاكون فيه وإِنما علل منع القبول بالعناد والكفر بالله ورسوله، والكسل عن الصلاة وكراهة الإِنفاق مع أَنه إِذا منع بواحد من ذلك لم يبق ما يمنع بالآخر لأَنا والأَشعرية نقول هذه أَسباب غير موجبة لثواب ولعقاب، فلا يضر اجتماعها ولا واجب على الله، لا كما قال المعتزلة بأَن العلل مؤثرة وأَنه يجب على الله الأَصلح، وأَن الكفر لكونه كفراً يؤثر فى الحكم.