التفاسير

< >
عرض

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٧٢
-التوبة

تيسير التفسير

{وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} مقتضى الظاهر وعدهم بالإِضمار لكن أَظهر ليشعر بأَن الإِيمان علة للوعد، وهذا وما بعده مقابل لوعيد المنافقين المعبر عنه بالوعد تهكماً على تبادر الخير من لفظ الوعد وإِلا فالوعد يكون فى الخير ويكون فى الشر. {جَنَّاتٍ} نخلاً وأَشجاراً من كل نوع {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ} بيوتاً ودوراً وقصوراً {طَيِّبَةً} من اللؤْلُؤِ والزبرجد والياقوت الأَحمر كما فى الحديث، طيبة فى نفسها ويطيب العيش فيها لسكانها، لا يلحقهم كدر كما فى الدنيا {فِى جَنَّاتِ عَدْنِ} هن ثمان كما أَن النار سبع وكلهن للعدن أَى للإِقامة لا خروج عنهن كما يخرج عما فى الدنيا كما قال الله عز وجل: " { خالدين فيها } " [التوبة: 68] وقال تعالى: " { لا يبغون عنها حولا } "[الكهف: 108] وقد تخص جنة عدن بواحدة من الثمانى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "عدن دار الله التى لم ترها عين قط ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون والصديقون والشهداء، يقول الله طوبى لمن دخلك" . رواه أَبو الدرداء، وزاد عبد الله بن عمرو بن العاص حولها البروج والمروج لها خمسة آلاف باب. ولفظ الطبرانى عن عمران ابن حصين وأَبى هريرة: سئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {ومساكن طيبة فى جنات عدن} قال "قصر من لؤْلؤه فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراءَ فى كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراءَ فى كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون، على كل فراش زوجة من الحور العين" . وفى رواية "فى كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفى كل بيت سبعون وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة ما يأْتى على ذلك كله" ، وعن الحسن: سأَلت عمران ابن حصين وأَبا هريرة فقالا: على الخبير سقطت، سأَلنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قصر من لؤلؤَة" إِلى آخر ما مر، ويجوز أَن يكون جنات تجرى من تحتها الأَنهار والمساكن الطيبة شيئاً واحداً هو دار أَولياء الله المتصفة بأَنها مشتملة على البساتين وعلى المساكن الطيبة، وكلها عادنة أَى مقيمة، يقال إِبل فلان عادنة بموضع كذا، أَى لازمة له رغبة فيه، وعدن الجنة عدم فنائِها وعدن أَهلها عدم خروجهم عنها، ويجوز أَن يراد أَن لبعضهم بساتين ولبعضهم مساكن وهو ضعيف لأَن أَهل المساكن يحتاجون أَيضاً إِلى البساتين ولو لم يحتج أَهل البساتين إِلى المساكن المبنية بأَن تكون أَشجارهم مظللة عليهم كالبيوت، ويجاب بأَن أَهل المساكن يؤتؤن من الله عز وجل بالثمار، والوصف بالخلود فى البساتين غير الوصف بخلود دار أَولياء الله فلا تكرار {وَرِضْوَانٌ} نكرة للتعظيم لا للتبعيض لأَن رضوانه لا يتبعض لأَن هنا صفة ذات فلا تهم. {مِن اللهِ أَكْبَرُ} نفعاً وشأْنا من الجنات والمساكن، والرضوان أَزلى، ذكرهم ما قد يغفلون عنه وقد يغفلون عن أَنه يدوم مع أَنهم عارفون به وبدوامه، وكأَنه قال: رضوانى أَلذ لكم وأَنفع مما فرحتم به من الجنات والمساكن لدوامه وكونه سبباً لكل خير ومنشئاً لتلك الجنات والمساكن ولقائه. يقول الله عز وجل: "هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا ما لنا لا نرضى وقد أَعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك. فيقول: لكم عندى أَفضل. فيقولون: وأَى شىءٍ أَفضل من ذلك؟ فيقول أُحل عليكم رضوانى فلا أَسخط عليكم أَبداً" . رواه البخارى ومسلم وأَحمد والترمذى عن أَبى سعيد الخدرى، ومعنى أُحل عليكم رضوانى أُخبركم به أَو بدوامه، فإِن الصفة الذاتية ولو كانت لا تقبل الفناءَ لكن فى الإِخبار تلذيذ، ويجوز أَن يراد بالرضوان شىءٌ من نعم الله على أَنه غير صفة وقوله: لا أَسخط عليكم أَبدا يناسب غير هذا. وعن بعض المعتزلة لا تطمح عينى ولا تنازع نفسى إِلى شىءٍ مما وعد الله فى دار الكرامة كما تطمح وتنازع إلى رضاه عنى وأَن أُحشر فى زمرة المهديين المرضيين عنده، وإِنما لم يقل ورضوانا أَكبر بنصبهما عطفا على جنات تجرى لأَن الرضوان فى ضمن كل ما ذكر {ذَلِكَ} المذكور من الرضوان والبساتين والمساكن، أَو ذلك الرضوان، قيل: أَو الدنيا ونعيمها والجنة وما فيها. {هُوَ الْفَوْزُ} أَى المفوز به، فهو مصدر بمعنى المفعول أَو يقدر المضاف أَى نيل ذلك هو الفوز {العَظِيمُ} الذى تحقر فى مقابلته نعم الدنيا كلها.