التفاسير

< >
عرض

فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً
٨٨
وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
٨٩
إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً
٩٠
-النساء

تيسير التفسير

الفئة: الجماعة. أركسهم: ردهم الى حكم الكفرة، واصل الرَّكس رد الشيء مقلوباً. تولّوا: أعرضوا. أولياء: نصراء، جمع وليّ. ميثاق: عهد. حصرت صدروهم: ضاقت. السلم: الاستسلام.
هذه أحكام في معاملة المسلمين لغيرهم، وهي بعض القواعد التي أنشأها الاسلام لأول مرة في تاريخ البشرية وفي مجال المعاملات الدولية. وبفضْلها يُقيم المجتمع المسلم علاقاته مع غيره من المجتمعات الاخرى على اساس العدالة. وقد وردت هذه القواعد متفرقة في سور القرآن الكريم، فحرص عليها المسلمون وطبقوها.
أما غير المسلمين فإنهم بدأوا في سَنِّ القانون الدولي في القرن السابع عشر الميلادي، أي بعد نزول القرآن بعشرة قرون. ومن المؤسف أن كانت جميع القوانين التي سُنّت والمنظمات التي أوجدت مجردَ أدواتٍ تختفي وراءها الأطماع الدولية، لا أجهزة لإحقاق الحق. وأكبرُ شاهد على ذلك الآن هي المنظمة الدولية الكبرى "هيئة الأمم"، فإنها لم تحلّ اية قضية، ولم ترعَ حقاً من حقوق الأمم المهضومة، بل ظلّت لعبة في يد الدول الاستعمارية لحماية مصالحها.
والآية هنا تعالج قضايا المنافقين، والذين يرتبطون بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق، والمحايدين الذين تضيق صدورهم بحرب المسلمين أو بحرب قومهم وهم على دينهم، والمتلاعبين بالعقيدة الذين يُظهرون الإسلام إذا قدِموا المدينة الكفرَ اذا عادوا الى مكة.
مالكم ايها المسلمون حِرتم في المنافقين وانقسمتم فئتين لاختلافكم حول كفرهم! ان الأدلة تتظاهر على ذلك فما يسوغ لكم ان تختلفوا في شأنهم أهم مؤمنون أم كافرون؟ ولا بصدد وجوب قتلهم أم لا؟
وهؤلاء الذين اختلف المسلمون في أمرهم هم فريق من المشركين كانوا يظهرون المودة للمسلمين وهم كاذبون. وكان المؤمنون في أمرهم فرقتين: واحدة ترى انهم يُعَدّون من الموالين، فيجوز ان يستعان بهم على المشركين، وأخرى ترى ان يعامَلوا كما يعاملُ غيرهم من المشركين. وقد حسم الله الخلاف في ذلك وأمر المسلمين ان يبتّوا في أمر كفرهم، فإنه هو قد أركسهم. ومن ثم: كيف تختلفون أيها المسلمون في شأنهم واللهُ قد صرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشر والشِرك! ليس في استطاعتكم هداية من قدّر الله ضلاله، ولن تجدوا له طريقا الى الهداية على الإطلاق.
إنكم تودّون هداية هؤلاء المنافقين فيما هم لا يقنعون منكم إلا بأن تكفروا مثلهم، وحتى يُقضى على الاسلام الذي أنتم عليه.. فاحذروا غوائل نفاقهم.
{فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ...}
اذا كانت هذه حالهم فلا تتخذوا منهم مناصرين لكم، ولا تعتبروهم منكم حتى يؤمنوا ويهاجروا مجاهدين في سبيل الاسلام. بذلك تزول عنهم صفة النفاق. فإن أعرضوا عن ذلك، وانضمّوا الى أعدائكم فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم. أياكم أن تتخذوا منهم ولياً يتولّى شيئاً من أموركم، ولا نصيرا ينصركم على اعدائكم.
ثم استثنى من هؤلاء الناس أولئك الّذين يتصلون بقوم معاهدين للمسلمين فيدخلون في عهدهم. كما استثنى الذين هم في حيرة من أمرهم، قد وقفوا على الحياد، مسالمين لا يقاتلون قومهم معكم ولا يقاتلونكم انتم ـ فهؤلاء جميعا لا يجوز قتالهم. هذا هو مبدأ الاسلام كما جاء صريحا في قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ}.
{وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ}.
لو شاء تعالى لجعلهم يحاربونكم، ولكنه رحمَكم بأن صرفهم عن قتالكم. فإذا اعتزلوكم ولم يقاتلوكم فليس لكم من حق في الاعتداء علَيهم، ولا يسوغ لكم قتالهم.