التفاسير

< >
عرض

قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
١٢
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
١٣
قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ
١٤
قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٥
مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ
١٦
-الأنعام

تيسير التفسير

كتب على نفسه الرحمة: أوجب على نفسه ايجاب فضل وكرم. سكن: من السكون، ضد الحركة، الولي: الناصر ومتولي الأمر. فاطر السموات والارض: مبدعها على غير مثال. وهو يُطعم ولا يطعم: هو الرزاق ليغره ولا يرزقه احد. يصرف عنه: يبعد عنه.
في الآيات السابقة ذكرَ اللهُ تعالى أصول الدين الثلاثة: التوحيد، والبعث والجزاء، ورسالة محمد، ثم ذكر شبهات الكافرين الجاحدين وبيّن ما يدحضها، ثم أرشد الى سننه تعالى في اقوام الرسل المكذّبين وعاقبتهم. وهنا يرد ذِكر هذه الاصول الثلاثة باسلوب آخر: اسلوب السؤال والجواب. ويسيرُ هذا الاسلوب في طريقين بارزين لانكاد نجدهما بهذه الكثرة في غير هذه السورة. فهي تورد الأدلةَ المتعلقة بتوحيد الله، وتفرُّدِه بالمُلك والقدرة في صورة الشأن المسلَّم بالتقرير الذي لا يقبل الإِنكار او الجدل {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} هذا الاسلوب.
أما الأسلوب الثاني فهو أسلوب التلقين: تلقين الحجة والأمر بقذفها في وجه الخصم حتى تحيط به من جميع جوانبه فلا يستطيع التفلّت منها، ولا يجد بُدّاً من الاستسلام لها. ففي حجج التوحيد والقدرة:
{قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}
{قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ....} الآية.
{قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
{قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
{قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}
وفي حجج الوحي وبيان مهمة الرسول، وأن الرسالة لا تنافي البشرية، وفي إيمان الرسول بدعوته، واعتماده على الله، وعدم اكتراثه بهم، او انتظار الأجر منهم:
{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً؟ قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}.
{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} إلى آيات كثيرة.
وفي وعيدهم على التكذيب:
{قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}.
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ}.
{قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ}.
{قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ}.
وفي الرد عليهم في التحليل والتحريم من دون الله وتفنيدِ شبهتهم في الشرك وآثاره، وفي بيان ما حرم خاصة في الطعام، وعامة في نظام الله:
{قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ}.
{قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً...} الآية.
{قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ؟}.
{قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}.
هذان الاسلوبان قد تناوبا معظم ما تصمنته هذه السورة العظيمة، والقرآن كله عظيم..
ويدل الاسلوبان على انهما صدرا في موقف واحد، وفي مقصد واحد، ولخصم واحد بَلَغ من الشدة والعتو مبلغاً استدعى من الله تزويد الرسول بعدةٍ قوية تتضافر في جملة شديدة يقذف بها في معسكر الاعداء، فتزلزل عمده، وتهد من بنيانه، فيخضع بالتسليم للحق.
{قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ؟}.
قل ايها الرسول لقومك الجاحدين لرسالتك، المعرضين عن عدوتك: من هو مالك السماوات والأرض ومن فيهن؟ فان احجموا ولم يجيبوا، فقل الجواب الذي لا جواب غيره: إن مالكها هو الله وحده لا شريك له. لقد أوجب على ذاته العلية الرحمة بخلقه، فلا يعجل في عقوبتهم وانما يقبل توبتهم. ومن مقتضى هذه الرحمة ان يجمعكم الى يوم القيامة.
{ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
والذين ضّيعوا أنفسَهم، وعرَّضوها للعذاب في هذا اليوم هم الذين لا يؤمنوا بالله، ولم يصدقوا رسوله، ولا بيوم الحساب.
{وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}.
فلله ما في السماوات والأرض، وله كل ما فيهنّ من ساكن ومتحرك في كل مكان وزمان، وهو السميع المحيط سمعه بكل شيء، والعليم المحيط علمه بكل شيء.
{قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً؟...} الآية.
قل أيها النبي، أنا لا اتخذ غير الله إلهاً وناصرا، وهو وحده منشئ السماوات والأرض على نظام لم يُسبق اليه. روى عن ابن عباس انه قال: ما عرفت معنى فاطر السماوات والارض، حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بئر، فقال احدهما: أنا فطرتها، اي ابتدعتها.
وهو الرزاق لعباده طعامَهم، ولي هو بحاجة الى من يرزقه ويطعمه. وقل لهم يا محمد: بعد ان استبانت لكم الأدلة على وجوب عبادة الله وحده، فأنا أُبلّغكم أنني قد أمرني ربي ان اكون أول من أسلم اليه، ونهاني عن ان اشرك معه غيره في العبادة. ذلك أني أخاف إن خالفتُ أمر ربي وعصيته، عذابَ يوم يتجلى فيه الرب على عباده ويحاسبهم على اعمالهم ويجازيهم بما يستحقون. إنه يوم شديد عند ذلك، فمن صرُف عنه العذاب ونجا من العقوبة، فقدرحمه الله ، فدخل الجنة، وفاز فوزا عظيما.