التفاسير

< >
عرض

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ
١١٦
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
١١٧
وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
١١٨
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ
١١٩
وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
١٢٠
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ
١٢١
يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
١٢٢
وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
١٢٣
-البقرة

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى افتراء اليهود والنصارى وزعمهم أن الجنة خاصة بهم لا يشاركهم فيها أحد أعقبه بذكر بعض قبائحهم وقبائح المشركين في ادعائهم أنَّ لله ولداً حيث زعم اليهود أن عزيراً ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله فأكذبهم الله وردّ دعواهم بالحجة الدامغة والبرهان القاطع.
اللغَة: {سُبْحَانَهُ} سبحان مصدر سبّح بمعنى نزّه ومعناه التبرئة والتنزيه عما لا يليق بجلاله تعالى {قَانِتُونَ} مطيعون خاضعون من القنوت وهو الطاعة والخضوع {بَدِيعُ} البديع: المبدع من الإِبداع، والإِبداع: اختراع الشيء على غير مثال سبق {قَضَىٰ} أراد وقدّر {بَشِيراً} البشير: المبشّر وهو المخبر بالأمر الصادق السار {نَذِيراً} النذير: المنذر وهو المخبر بالأمر المخوف ليحذر منه {ٱلْجَحِيمِ} المتأجج من النار {مِلَّتَهُمْ} أي دينهم وجمعها ملل وأصل الملّة: الطريقة المسلوكة ثم جعلت اسماً للشريعة التي أنزلها الله {عَدْلٌ} فداء.
التفسِير: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} هو قول اليهود والنصارى والمشركين فاليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله فأكذب الله الجميع في دعواهم فقال {سُبْحَانَهُ} أي تقدس وتنزّه عما زعموا تنزهاً بليغاً {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} بل للإِضراب أي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي الكل منقادون له لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي إِذا أراد إيجاد شيء حصل من غير امتناع ولا مهلة فمتى أراد شيئاً وجد بلمح البصر، فمراده نافذ وأمره لا يتخلف
{ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } [القمر: 50] {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} المراد بهم جهلة المشركين وهم كفار قريش {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ} أي هلاّ يكلمنا الله مشافهة أو بإِنزال الوحي علينا بأنك رسوله {أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} أي تكون برهاناً وحجة على صدق نبوتك، قالوا ذلك استكباراً وعناداً {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} أي مثل هذا الباطل الشنيع قال المكذبون من أسلافهم لرسلهم {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد والتكذيب للأنبياء وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي قد وضحنا الأدلة وأقمنا البراهين لقومٍ يطلبون الحق واليقين، وكلها ناطقة بصدق ما جئت به {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً} أي أرسلناك يا محمد بالشريعة النيّرة والدين القويم بشيراً للمؤمنين بجنات النعيم، ونذيراً للكافرين من عذاب الجحيم {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} أي أنت لست مسئولاً عمن لم يؤمن منهم بعد أن بذلت الجهد في دعوتهم { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ } [الرعد: 40] {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} أى لن ترضى عنك الطائفتان "اليهود والنصارى" حتى تترك الإِسلام المنير وتتبع دينهم الأعوج {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} أي قل لهم يا محمد إِن الإِسلام هو الدين الحق وما عداه فهو ضلال {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي ولئن سايرتهم على آرائهم الزائفة وأهوائهم الفاسدة بعدما ظهر لك الحق بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي ليس لك من يحفظك أو يدفع عنك عقابة الأليم {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} مبتدأ وهم طائفة من اليهود والنصارى أسلموا {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} أي يقرءونه قراءة حقة كما أنزل {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} هذا خبر المبتدأ أي فأولئك هم المؤمنون حقاً دون المعاندين المحرفين لكلام الله {وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي ومن كفر بالقرآن فقد خسر دنياه وآخرته {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} أي اذكروا نعمي الكثيرة عليكم وعلى آبائكم {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي واذكروا تفضيلي لكم على سائر الأمم في زمانكم {وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي لا تغني فيه نفس عن نفس ولا تدفع عنها من عذاب الله شيئاً، لأن كل نفسٍ بما كسبت رهينة {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي لا يقبل منها فداء {وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} أي لا تفيدها شفاعة أحد لأنها كفرت بالله { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ } [المدثر: 48] {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي لا يدفع عنهم أحد عذاب الله ولا يجيرهم من سطوة عقابه.
البَلاَغَة: 1- {سُبْحَانَهُ} جملة اعتراضية وفائدتها بيان بطلان دعوى الظالمين الذين زعموا لله الولد قال أبو السعود: وفيه من التنزيه البليغ من حيث الاشتقاق من "السَّبح" ومن جهة النقل إلى التفعيل "التسبيح" ومن جهة العدول إلى المصدر ما لا يخفى والمراد أنزهه تنزيهاً لائقاً به.
2- {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} صيغة جمع العقلاء في {قَانِتُونَ} للتغليب أي تغليب العقلاء على غير العقلاء، والتغليب من الفنون المعدودة في محاسن البيان.
3- التعبير عن الكافرين والمكذبين بكلمة {أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} إِيذانٌ بأن أولئك المعاندين من المطبوع على قلوبهم فلا يرجى منهم الرجوع عن الكفر والضلال إِلى الإِيمان والإِذعان.
4- إِيراد الهدى معرفاً بأل في قوله {هُوَ ٱلْهُدَىٰ} مع اقترانه بضمير الفصل "هو" يفيد قصر الهداية على دين الله فهو من باب قصر الصفة على الموصوف فالإِسلام هو الهدى كله وما عداه فهو هوى وعمى.
5- {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ} هذا من باب التهييج والإِلهاب.
تنبيه: قال القرطبي: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حدّ ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إِليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع، وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إِمام وفي البخاري
"نعمت البدعة هذه" يعني قيام رمضان.. ثم قال: وكل بدعة صدرت من مخلوق فلا يخلو أَن يكون لها أصل في الشرع أولا؟ فإِن كان لها أصل فهي في حيز المدح ويعضده قول عمر "نعمت البدعة هذه" وإِلاّ فهي في حيز الذم والإِنكار وقد بيّن هذا الحديث الشريف "من سنَّ في الإِسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها.. ومن سنَّ في الإِسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها.." .