التفاسير

< >
عرض

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٢٦
وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٢٧
وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٢٨
ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٢٢٩
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٢٣٠
-البقرة

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: ذكر تعالى في الآيات السابقة بعض الأمراض الاجتماعية التي تنخر جسم الأمّة وتحلُّ عرى الجماعة وتوقع بينهم العداوة والبغضاء كالخمر والميسر، ثم انتقل إلى الحديث عن الأسرة باعتبار أنها النواة الأولى لبناء المجتمع الفاضل، فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع وبفسادها يفسد المجتمع، وابتدأ من أحكام الأسرة بالعلاقة الزوجية ونبّه على ضرورة أن يكون الاختيار على أساس الدّين لتظل العلاقة موثقة بروابط المودة والرحمة والإِخلاص، فالمشركة لا يحل لها أن تكون في حجر المسلم، والمؤمنة لا يحل لها أن تكون تحت سلطان الرجل المشرك ولهذا حرّم الإِسلام الزواج بالمشركات وتزويج المشركين بالمؤمنات، ثم بيّن في هذه الآيات الكريمة بعض الأمراض التي تحل بالأسرة وتهدد كيانها فذكر منها الإِيلاء، والطلاق، والخلع وبيّن العلاج الناجع لمثل هذه المشاكل التي تقوّض بنيان الأسرة.
اللغَة: {يُؤْلُونَ} الإِيلاء لغة: الحلف يقال: آلى يؤالي إِيلاءً قال الشاعر:

فآليت لا أنفك أحدو قصيدةًتكون وإِياها بها مثلاً بعدي

وفي الشرع: اليمين على ترك وطء الزوجة. {تَرَبُّصُ} التربص: الانتظار ومنه { قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ } [الطور: 31] أي انتظروا. {فَآءُو} الفيء: الرجوع ومنه قيل للظلّ فيءٌ لأنه يرجع بعد أن تقلّص قال الفراء: العرب تقول فلان سريع الفيء أي سريع الرجوع بعد الغضب قال الشاعر:

ففاءت ولم تقض الذي أقبلت لهومن حاجة الإِنسان ما ليس قاضيا

{قُرُوۤءٍ} جمع قرء اسم يقع على الحيض والطهر فهو من الأضداد وأصل القرء: الاجتماع سمي به الحيض لاجتماع الدم في الرحم قال في القاموس: القَرْءُ بالفتح ويضم: الحيضُ والطهرُ والوقت، وجمع الطهر قروءٌ، وجمع الحيض أقراءٌ. {بُعُولَتُهُنَّ} جمع بعل ومعناه الزوج. { وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً } [هود: 72] والمرأة بعلة. {دَرَجَةٌ} الدرجة: المنزلة الرفيعة. {ٱلطَّلاَقُ} مصدر طلقتُ المرأة ومعنى الطلاق: حلُّ عقد النكاح وأصله الانطلاق والتخلية يقال: ناقة طالق أي مهملة تركت في المرعى بلا قيد ولا راعي، فسميت المرأة المخلَّى سبيلها طالقاً لهذا المعنى. {تَسْرِيحٌ} التسريح: إِرسال الشيء ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرَّح الماشية أرسلها، قال الراغب: والتسريح في الطلاق مستعارٌ من تسريح الإِبل كالطلاق مستعار من إِطلاق الإِبل.
سَبَبُ النّزول: كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ما شاء من الطلاق ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها ولو طلقها ألف مرة كان له الحق في مراجعتها، فعمد رجل لامرأته فقال لها: لا آويك ولا أدعك تحلّين قالت: وكيف؟ قال أطلّقك فإِذا دنا مضِيُّ عدتك راجعتك، فشكت المرأة أمرها للنبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ..} الآية.
التفسِير: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} أي للذين يحلفون ألاّ يجامعوا نساءهم للإِضرار بهن انتظار أربعة أشهر {فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي إِن رجعوا إِلى عشرة أزواجهن بالمعروف - وهو كناية عن الجماع - أي رجعوا عن اليمين إِلى الوطء فإِن الله يغفر ما صدر منهم من إِساءة ويرحمهم {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي وإِن صمّموا على عدم المعاشرة والامتناع عن الوطء فإِن الله سميعٌ لأقوالهم عليم بنيّاتهم، والمراد من الآية أنّ الزوج إِذا حلف ألا يقرب زوجته تنتظره الزوجة مدة أربعة أشهر فإِن عاشرها في المدة فبها ونعمت ويكون قد حنث في يمينه وعليه الكفارة، وإِن لم يعاشرها وقعت الفرقة والطلاق بمضي تلك المدة عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: ترفع أمره إِلى الحاكم فيأمره إِما بالفيئة أو الطلاق فإِن امتنع عنهما طلّق عليه الحاكم هذا هو خلاصة حكم الإِيلاء.. ثم قال تعالى مبيناً أحكام العدّة والطلاق الشرعي {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} أي الواجب على المطلقات الحرائر المدخول بهن أن ينتظرن مدة ثلاثة أطهار - على قول الشافعي ومالك - أو ثلاث حِيَض على قول أبي حنيفة وأحمد ثم تتزوج إِن شاءت بعد انتهاء عدتها، وهذا في المدخول بها أما غير المدخول بها فلا عدة عليها لقوله تعالى:
{ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ } [الأحزاب: 49] {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} أي لا يباح للمطلقات أن يخفين ما في أرحامهن من حبلٍ أو حيض استعجالاً في العدة وإِبطالاً لحق الزوج في الرجعة {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي إِن كنَّ حقاً مؤمنات بالله ويخشين من عقابه، وهذا تهديد لهنَّ حتى يخبرن بالحق من غير زيادة ولا نقصان لأنه أمر لا يُعلم إِلاّ من جهتهنَّ {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} أي وأزواجهن أحقُّ بهنَّ في الرجعة من التزويج للأجانب إِذا لم تنقض عدتهن وكان الغرض من الرجعة الإِصلاح لا الإِضرار، وهذا في الطلاق الرجعي {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي ولهنَّ على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، بالمعروف الذي أمر تعالى به من حسن العشرة وترك الضرار ونحوه {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي وللرجال على النساء ميزةٌ وهي فيما أمر تعالى به من القوامة والإِنفاق والإِمرة ووجوب الطاعة فهي درجة تكليفٍ لا تشريف لقوله تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [الحجرات: 13] {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي غالب ينتقم ممن عصاه حكيم في أمره وتشريعه ثم بيّن تعالى طريقة الطلاق الشرعية فقال: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أي الطلاق المشروع الذي يملك به الزوج الرجعة مرتان وليس بعدهما إِلا المعاشرة بالمعروف مع حسن المعاملة أو التسريح بإِحسان بألا يظلمها من حقها شيئاً ولا يذكرها بسوء ولا ينفّر الناس عنها {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} أي لا يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا مما دفعتم إِليهن من المهور شيئاً ولو قليلاً {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} أي إِلا أن يخاف الزوجان سوء العشرة وألا يرعيا حقوق الزوجية التي أمر الله تعالى بها {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} أي فإِن خفتم سوء العشرة بينهما وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها حتى يطلقها فلا إِثم على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في بذله {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} أي هذه الأحكام العظيمة من الطلاق والرجعة والخلع وغيرها هي شرائع الله وأحكامه فلا تخالفوها ولا تتجاوزوها إِلى غيرها ممّا لم يشرعه الله {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي من خالف أحكام الله فقد عرَّض نفسه لسخط الله وهو من الظالمين المستحقين للعقاب الشديد {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} أي فإِن طلّق الرجل المرأة ثالث مرة فلا تحل له بعد ذلك حتى تتزوج غيره وتطلق منه، بعد أن يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته كما صرّح به الحديث الشريف، وفي ذلك زجر عن طلاق المرأة ثلاثاً لمن له رغبة في زوجته لأن كل ذي مروءة يكره أن يفترش امرأته آخر {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} أي إِن طلقها الزوج الثاني فلا بأس أن تعود إِلى زوجها الأول بعد انقضاء العدّة إِن كان ثمة دلائل تشير إِلى الوفاق وحسن العشرة {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي تلك شرائع الله وأحكامه يوضحها ويبينها لذوي العلم والفهم الذين ينظرون في عواقب الأمور.
البَلاَغَة: 1- {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} خرج الخبر عن ظاهره إِلى معنى الوعيد والتهديد.
2- {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} خبرٌ في معنى الأمر وأصل الكلام وليتربصْ المطلقاتُ، قال الزمخشري: وإِخراج الأمر في صيغة الخبر تأكيدٌ للأمر وإِشعارٌ بأنه ممّا يجب أن يُتلقى بالمسارعة إِلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر فهو يخبر عنه موجوداً، وبناؤه على المبتدأ مما زاده فضل تأكيد.
3- {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ} ليس الغرض منه التقييد بالإِيمان بل هو للتهييج وتهويل الأمر في نفوسهن.
4- {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ} فيه إٍيجاز وإِبداع لا يخفى على المتمكن من علوم البيان، فقد حذف من الأول بقرينة الثاني، ومن الثاني بقرينة الأول والمعنى: لهنّ على الرجال من الحقوق مثل الذي للرجال عليهن من الحقوق، وفيه من المحسنات البديعية أيضاً الطباق بين "لهنَّ" و "عليهنَّ" وهو طباقٌ بين حرفين.
5- {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} بين لفظ "إِمساك" ولفظ "تسريح" طباقٌ أيضاً.
6- {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} وضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة وإِدخال الروعة في النفوس، وتعقيبُ النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد.
7- {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} قصر صفة على موصوف.
فَائِدَة: أول خلع كان في الإِسلام في امرأة (ثابت بن قيس)
"أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: لا يجمع الله رأسي ورأسه شيءٌ أبداً، والله ما أعيب عليه في خلقٍ ولا دين ولكن أكره الكفر بعد الإِسلام فقال لها عليه السلام: أَتَرُدِّينَ عَلَيهِ حَدِيقَتَهُ؟ قالت: نعم ففرّق بينهما" .
لطيفَة: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إِني لأحب أن أتزين لامرأتي كما تتزين لي لأنّ الله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}.