التفاسير

< >
عرض

للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٨٤
ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ
٢٨٥
لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَٰـنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ
٢٨٦
-البقرة

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: ناسب ختم هذه السورة الكريمة بهذه الآيات لأنها اشتملت على تكاليف كثيرة في الصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والطلاق والعدة وأحكام الربا والبيع والدين الخ فناسب تكليفه إِيانا بهذه الشرائع أن يذكر أنه تعالى مالك لما في السماوات وما في الأرض فهو يكلف من يشاء بما يشاء، والجزاء على الأعمال إِنما يكون في الدار الآخرة، فختم هذه السورة بهذه الآيات على سبيل الوعيد والتهديد..
اللغَة: {إِصْراً} الإِصر في اللغة: الثقل والشدة قال النابغة:

يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإِصر عنهم بعد ما عرفوا

وسميت التكاليف الشاقة إِصراً لأنها تثقل كاهل صاحبها كما يسمى العهد إصراً لأنه ثقيل. {طَاقَةَ} الطاقة: القدرة على الشيء من أطاق الشيء وهو مصدر جاء على غير قياس الفعل {ٱعْفُ عَنَّا}، العفو: الصفح عن الذنب {وَٱغْفِرْ لَنَا} الغفران: ستر الذنب ومحوه.
سَبَبُ النّزول: لما نزل قوله تعالى {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله فقالوا: كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال صلى الله عليه وسلم:
"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} قولوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} (فلما قرأها القوم وجرت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} ونسخها الله تعالى فأنزل {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}" الآية).
التفسِير: {للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي هو سبحانه المالك لما في السماوات والأرض المطّلع على ما فيهن {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} أي إِن أظهرتم ما في أنفسكم من السوء أو أسررتموه فإِن الله يعلمه ويحاسبكم عليه {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي يعفو عمن يشاء ويعاقب من يشاء وهو القادر على كل شيء الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون {آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي صدّق محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله إِليه من القرآن والوحى وكذلك المؤمنون {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} أي الجميع من النبي والأتباع صدَّق بوحدانية الله، وآمن بملائكته وكتبه ورسله {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعل اليهود والنصارى بل نؤمن بجميع رسل الله دون تفريق {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} أي أجبنا دعوتك وأطعنا أمرك فنسألك يا ألله المغفرة لما اقترفناه من الذنوب وإِليك وحدك يا ألله المرجع والمآب. {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي لا يكلف المولى تعالى أحداً فوق طاقته {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} أي لكل نفس جزاء ما قدمت من خير، وجزاء ما اقترفت من شرّ {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} أي قولوا ذلك في دعائكم والمعنى لا تعذبنا يا ألله بما يصدر عنا بسبب النسيان أو الخطأ {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} أي ولا تكلفنا بالتكاليف الشاقة التي نعجز عنها كما كلفت بها من قبلنا من الأمم كقتل النفس في التوبة وقرض موضع النجاسة {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} أي لا تحمّلنا ما لا قدرة لنا عليه من التكاليف والبلاء {وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ} أي امحُ عنا ذنوبنا واستر سيئاتنا فلا تفضحنا يوم الحشر الأكبر وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء {أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي أنت يا ألله ناصرنا ومتولي أمورنا فلا تخذلنا، وانصرنا على أعدائنا وأعداء دينك من القوم الكافرين، الذين جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك وكذبوا برسالة نبيك صلى الله عليه وسلم. روي أنه عليه السلام لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل دعوة: قد فعلتُ.
البَلاَغَة: 1- تضمنت الآية من أنواع الفصاحة وضروب البلاغة أشياء منها "الطباق" في قوله {وَإِن تُبْدُواْ... أَوْ تُخْفُوهُ} وبين "يغفر" و "يعذب" ومنها الطباق المعنوي بين {كَسَبَتْ} و {ٱكْتَسَبَتْ} لأن كسب في الخير واكتسب في الشر.
2- ومنها الجناس ويسمى جناس الاشتقاق في قوله {آمَنَ... وَٱلْمُؤْمِنُونَ}.
3- ومنها الإِطناب في قوله {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}.
4- ومنها الإِيجاز بالحذف في قوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي آمنوا بالله ورسله ومواضع أخرى.
فَائِدَة: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه" أخرجه البخاري وفي رواية لمسلم "أن ملكاً نزل من السماء فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أبشرْ بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إِلا أوتيتَه" .