التفاسير

< >
عرض

لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
٩٢
كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٩٣
فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٩٤
قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٩٥
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ
٩٦
فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ
٩٧
قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ
٩٨
قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٩٩
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ
١٠٠
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
١٠١
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٠٢
وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٠٣
-آل عمران

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: لما ذكر تَعالى حال الكفار ومآلهم في الآخرة، وبيّن أن الكافر لو أراد أن يفتدى نفسه بملء الأرض ذهباً ما نفعه ذلك، ذكر هنا - استطراداً - ما ينفع المؤمن لنيل رضى الله والفوز بالجنة، ثم عاد الكلام لرفع الشبهات التي أوردها أهل الكتاب حول النبوة والرسالة وصحة دين الإِسلام، ثم جاء بعده التحذير من مكائدهم ودسائسهم التي يدبرونها للإِسلام والمسلمين لتفرقة الصف وتشتيت الشمل.
اللغَة: {ٱلْبِرَّ} كلمة جامعة لوجوه الخير والمراد بها هنا الجنة {حِـلاًّ} حلالاً وهو مصدر نعت به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث {إِسْرَائِيلَ} هو يعقوب عليه السلام {بَكَّةَ} اسم لمكة فتسمى "بكة" و "مكة" سميت بذلك لأنها تبك أي تدق أعناق الجبابرة فلم يقصدها جبار بسوء إِلا قصمه الله {مُبَارَكاً} البركة: الزيادة وكثرة الخير {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} محل قيام ابراهيم وهو الحجر الذي قام عليه لما ارتفع بناء البيت {عِوَجاً} العِوَج: الميل قال أبو عبيدة: في الدين والكلام والعمل، وبالفتح عَوَج في الحائط والجذع {يَعْتَصِم} يتمسك ويلتجئ وأصله المنع قال القرطبي: وكل متمسك بشيء معتصمٌ وكل مانعٍ شيئاً فهو عاصم
{ { قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } [هود: 43] {شَفَا} الشَّفا: حرف كل شيء وحده ومثله الشفير: وشفا الحفرة: حرفها قال تعالى { عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } [التوبة: 109].
سَبَبُ النّزول: يروى أنّ "شاس بن قيس" اليهودي مرَّ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، ثم أمر شاباً من اليهود أن يجلس إليهم ويذكّرهم يوم "بُعاث" وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار - وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس - ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاحَ السلاحَ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال:
"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإِسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألّف بينكم؟" فعرف القوم أنها كانت نزعة من الشيطان وكيداً من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} الآية.
التفسِير: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} أي لن تكونوا من الأبرار ولن تدركوا الجنة حتى تنفقوا من أفضل أموالكم {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أى وما تبذلوا من شيء في سبيل الله فهو محفوظ لكم تجزون عنه خير الجزاء {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي كل الأطعمة كانت حلالاً لبني إسرائيل {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} أي إلا ما حرّمه يعقوب على نفسه وهو لحم الإِبل ولبنها ثم حرمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبةً لهم على معاصيهم {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} أي كانت حلالاً لهم قبل نزول التوراة {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي قل لهم يا محمد ائتوني بالتوراة واقرءوها عليَّ إن كنتم صادقين في دعواكم أنها لم تحرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم قال الزمخشري: وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصدّ عن سبيل الله فلما حاجّهم بكتابهم وبكّتهم بهتوا وانقلبوا صاغرين ولم يجسر أحد منهم على إخراج التوراة، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ} أي اختلق الكذب من بعد قيام الحجة وظهور البينة {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي المعتدون المكابرون بالباطل {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ} أي صدق الله في كل ما أوحى إلى محمد وفي كل ما أخبر {فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أي اتركوا اليهودية واتبعوا ملة الإِسلام التي هي ملة إبراهيم {حَنِيفاً} أي مائلاً عن الأديان الزائفة كلها {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} برأه مما نسبه اليهود والنصارى إليه من اليهودية والنصرانية، وفيه تعريض بإشراكهم {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} أي أول مسجد بني في الأرض لعبادة الله المسجد الحرام الذي هو بمكة {مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} أي وضع مباركاً كثير الخير والنفع لمن حجه واعتمره، ومصدر الهداية والنور لأهل الأرض لأنه قبلتهم، ثم عدد تعالى من مزاياه ما يستحق تفضيله على جميع المساجد فقال {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} أي فيه علامات واضحات كثيرة تدل على شرفه وفضله على سائر المساجد منها {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، وفيه زمزم والحطيم، وفيه الصفا والمروة والحجر الأسود، أفلا يكفي برهاناً على شرف هذا البيت وأحقيته أن يكون قبلة للمسلمين؟ {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} وهذه آية أخرى وهي أمن من دخل الحرَم بدعوة الخليل ابراهيم
{ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً } [إبراهيم: 35] {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} أي فرضٌ لازم على المستطيع حج بيت الله العتيق {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أي من ترك الحج فإن الله مستغنٍ عن عبادته وعن الخلق أجمعين، وعبّر عنه بالكفر تغليظاً عليه قال ابن عباس: من جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه، ثم أخذ يبكّت أهل الكتاب على كفرهم فقال {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي لم تجحدون بالقرآن المنزل على محمد مع قيام الدلائل والبراهين على صدقه {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} أي مطلع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ} أي لم تصرفون الناس عن دين الله الحق، وتمنعون من أراد الإِيمان به؟ {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي تطلبون أن تكون الطريق المستقيمة معوجّة، وذلك بتغيير صفة الرسول، والتلبيس على الناس بإيهامهم أن في الإِسلام خللاً وعوجاً {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} أي عالمون بأن الإِسلام هو الحق والدين المستقيم {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تهديد ووعيد، وقد جمع اليهود والنصارى الوصفين: الضلال والإِضلال كما أشارت الآيتان الكريمتان فقد كفروا بالإِسلام ثم صدّوا الناس عن الدخول فيه بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من الناس {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي إن تطيعوا طائفة من أهل الكتاب {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} أي يصيرّوكم كافرين بعد أن هداكم الله للإِيمان، والخطاب للأوس والخزرج إذ كان اليهود يريدون فتنتهم كما في سبب النزول واللفظ في الآية عام {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} إنكار واستبعاد أي كيف يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله لا تزال تتنزّل عليكم والوحي لم ينقطع ورسول الله حيٌ بين أظهركم؟ {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي من يتمسك بدينه الحق الذي بيَّنه بآياته على لسان رسوله فقد اهتدى إلى أقوم طريق، وهي الطريق الموصلة إلى جنات النعيم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} أي اتقوا الله تقوى حقة أو حق تقواه قال ابن مسعود: "هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر" والمراد بالآية {حَقَّ تُقَاتِهِ} أي كما يحق أن يتقى وذلك باجتناب جميع معاصيه {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي تمسكوا بالإِسلام وعضوا عليه بالنواجذ حتى يدرككم الموت وأنتم على تلك الحالة فتموتون على الإِسلام والمقصود الأمر بالإِقامة على الإِسلام {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} أي تمسكوا بدين الله وكتابه جميعاً ولا تتفرقوا عنه ولا تختلفوا في الدين كما اختلف من قبلكم من اليهود والنصارى {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي اذكروا إنعامه عليكم يا معشر العرب {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} أي حين كنتم قبل الإِسلام أعداء ألداءً فألف بين قلوبكم بالإِسلام وجمعكم على الإِيمان {وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} أي وكنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنم فأنقذكم الله منها بالإِسلام {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} أي مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر الآيات {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكي تهتدوا بها إلى سعادة الدارين.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة نوجزها فيما يلي:
1- {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ} الأمر للتبكيت والتوبيخ للدلالة على كمال القبح.
2- {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} أي للبيت الذي ببكة وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لا يخفى.
3- {وَمَن كَفَرَ} وضع هذا اللفظ "موضع ومن لم يحج" تأكيداً لوجوبه وتشديداً على تاركه قال أبو السعود: "ولقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات ما لا مزيد عليه وهي قوله {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقيق وأبرزت في صورة الجملة الإِسمية الدالة على الثبات والاستمرار، على وجه يفيد أنه حق واجب لله سبحانه في ذمم الناس، وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص، والإِبهام ثم التبيين، والإِجمال ثم التفصيل"
4- {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ} شبّه القرآن بالحبل واستعير اسم المشبه به وهو الحبل للمشبه وهو القرآن على سبيل الاستعارة التصريحية والجامع بينهما النجاةُ في كلٍ.
5- {شَفَا حُفْرَةٍ} شبه حالهم الذي كانوا عليه بالجاهلية بحال من كان مشرفاً على حفرة عميقة وهوّة سحيقة ففيه استعارة تمثيلية والله أعلم.
تنبيه: وردت الآيات الكريمة لدفع شبهتين من شبه أهل الكتاب:
الشبهة الأولى: أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تدّعي أنك على دين إبراهيم وقد خالفت شريعته فأنت تبيح لحوم الإِبل وألبانها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟ فرد الله عليهم بقوله {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} الآية.
الشبهة الثانية: قالوا إن "بيت المقدس" قبلة جميع الأنبياء وهو أول المساجد وأحق بالاستقبال فكيف تترك يا محمد التوجه اليه ثم تزعم أنك مصدّق لما جاء به الأنبياء فرد الله تعالى بقوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} الآية.