التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ
٣٠
مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ
٣١
وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٣٢
وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ
٣٣
إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ
٣٤
إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ
٣٥
فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٣٦
أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ
٣٧
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ
٣٨
مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٩
إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
٤٠
يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
٤١
إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
٤٢
إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ
٤٣
طَعَامُ ٱلأَثِيمِ
٤٤
كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ
٤٥
كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ
٤٦
خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ
٤٧
ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ
٤٨
ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ
٤٩
إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
٥٠
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ
٥١
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
٥٢
يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ
٥٣
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ
٥٤
يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ
٥٥
لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ
٥٦
فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٥٧
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٥٨
فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ
٥٩
-الدخان

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى إِهلاك فرعون وقومه، أردفه بذكر إِحسانه لبني إِسرائيل، ليشكروا ربهم على إِنعامه وإِحسانه، ثم حذَّر كفار مكة من بطش الله وانتقامه، وختم السورة الكريمة ببيان حال الأشقياء والسعداء في يوم الفصل والجزاء.
اللغَة: {عَالِياً} متكبراً جباراً {بَلاَءٌ} اختبار وامتحان {مُنشَرِينَ} مبعوثين بعد الموت، وأنشر الله الموتى أحياهم {قَوْمُ تُبَّعٍ} ملوك اليمن، وكانوا يسمون ملوكهم التبابعة قال الجوهري: التبابعة ملوك اليمن، واحدهم تُبَّع، وقال أهل اللغة: تُبَّع لقب للملك منهم كالقياصرة للروم، والأكاسرة للفرس، والخلفاء للمسلمين {يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} يوم القيامة {مَّوْلًى} قريب وناصر {ٱلْمُهْلِ} النحاس المذاب {ٱلأَثِيمِ} الفاجر من أثِمَ الرجل يأثم إِذا وقع في الإِثم والفجور {ٱعْتِلُوهُ} جرُّوه وسوقوه بعنفٍ وشدَّة {سُندُسٍ} رقيق الديباج {إِسْتَبْرَقٍ} غليظ الديباج {عِينٍ} واسعات الأعين جمع عيناء {ٱرْتَقِبْ} انتظر.
التفسِير: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} أي والله لقد أنقذنا بني إِسرائيل من العذاب الشديد، المفرط في الإِذلال والإِهانة، وهو قتل أبنائهم واستخدام نسائهم، وإِرهاقهم في الأعمال الشاقة {مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي من طغيان فرعون وجبروته إنه كان متكبراً جباراً، متجاوزاً الحد في الطغيان والإِجرام قال الصاوي: هذا من جملة تعداد النعم على بني إسرائيل، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم وتبشيره بأنه سينجيه وقومه المؤمنين من أيدي المشركين، فإِنهم لم يبلغوا في التجبر مثل فرعون وقومه {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي اصطفيناهم وشرفناهم على علمٍ منا باستحقاقهم لذلك الشرف على جميع الناس في زمانهم قال قتادة: على أهل زمانهم، لا على أمة محمد لقوله تعالى
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران: 110] {وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ} أي وآتيناهم من الحجج والبراهين وخوارق العادات ما فيه اختبار وامتحان ظاهر جليٌ لمن تدبَّر وتبصَّر قال الرازي: والآياتُ مثل فلق البحر، وتظليل الغمام، وإِنزال المنِّ والسلوى وغيرها من الآيات الباهرة، التي ما أظهر الله مثلها على أحدٍ سواهم {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} أي إِن كفار قريش ليقولون: لن نموت إلا موتةً واحدةً وهي موتتنا الأولى في الدنيا، وفي قوله تعالى {هَـٰؤُلاَءِ} تحقيرٌ لهم وازدراءٌ بهم قال المفسرون: لمَّا كان الحديث في أول السورة عن كفار مكة، وجاءت قصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإِصرار على الضلالة والكفر، رجع إلى الحديث عن كفار قريش، والغرضُ من قولهم {إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} إِنكار البعث كأنهم قالوا: إِذا متنا فلا بعث ولا حياة ولا نشور، ثم صرحوا بذلك بقولهم {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} أي وما نحن بمبعوثين {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} خطابٌ للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على وجه التعجيز أي أحيوا لنا آبائنا ليخبرونا بصدقكم إِن كنتم صادقين في أن هناك حياةً بعد هذه الحياة قال الإِمام الفخر: إن الكفار احتجوا على نفي الحشر والنشر بأن قالوا: إن كان البعث والنشور ممكناً معقولاً فجعلوا لنا إِحياء من مات من آبائنا ليصير ذلك دليلاً عندنا على صدق دعواكم في البعث يوم القيامة وقال القرطبي: قال هذا أبو جهل، قال يا محمد: إن كنت صادقاً في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما: قُصي بن كلاب فإِنه كان رجلاً صادقاً، لنسأله عما يكون بعد الموت {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} استفهام انكار مع التهديد أي أهؤلاء المشركون أقوى وأشدُّ أم أهل سبأ ملوك اليمن؟ الذين كانوا أكثر أموالاً، وأعظم نعيماً من كفار مكة؟ {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ} أي والذين سبقوهم من الأمم العاتية أهلكناهم، وخربنا بلادهم، وفرقناهم شذر مذر قال أبو السعود: والمراد بهمْ عاد وثمود وأضرابهم من كل جبار عنيد، أولي بأسٍ شديد، فأولئك كانوا أقوى من هؤلاء، وقد أهلكهم الله مع ما كانوا عليه من غاية القوة والشدة، فإِهلاك هؤلاء أولى {إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} تعليل للإِهلاك أي أهلكناهم ودمرناهم بسبب إِجرامهم، وفيه وعيد وتهديد لقريش أن يفعل الله بهم ما فعل بقوم تُبَّع والمكذبين.. ثم نبه تعالى إلى دلائل البعث وهو خلق العالم بالحقِّ فقال {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} أي وما خلقنا هذا الكون وما فيه من المخلوقات البديعة لعباً وعبثاً {مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات إلا بالعدل والحقِّ المبين، لنجازي المحسن بإِحسانه والمسيء بإِساءته {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون ذلك فينكرون البعث والجزاء قال المفسرون: إن الله تعالى خلق النوع الإِنساني، وخلق ما ينتظم به أسباب معاشهم، من السقف المرفوع، والمهاد المفروش، وما بينهما من عجائب المصنوعات، وبدائع المخلوقات، ثم كلفهم بالإِيمان والطاعة، فآمن البعض وكفر البعض، فلا بدَّ إذاً من دار جزاء يثاب فيها المحسن، ويعاقب فيها المسيء، لتجزى كل نفسٍ بما كسبت، ولو لم يحصل البعث والجزاء لكان هذا الخلق لهواً وعبثاً، وتنزَّه الله عن ذلك، ولهذا قال بعده {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} أي إن يوم القيامة موعد حساب الخلائق أجمعين، سُمي {يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} لأن الله تعالى يفصل فيه بين الخلق كما قال تعالى { يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ } [الممتحنة: 3] {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي في ذلك اليوم الرهيب، لا يدفع قريب عن قريبه، ولا صديقٌ عن صديقه، ولا ينفع أحدٌ أحداً ولا ينصره ولو كان قريبه كقوله { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } [لقمان: 33] {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ} استثناء متصل أي لا يغني قريبٌ عن قريب إلا المؤمنين فإِنه يُؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض وقيل: منقطع أي لكنْ منرحمه الله ُ فإِنه يشفع وينفع قال ابن عباس: يريد المؤمن فإِنه تشفع له الأنبياء والملائكة {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيم} أي هو المنتقم من أعدائه، الرحيمُ بأوليائه.. ولما ذكر الأدلة على القيامة، أردفه بوصف ذلك اليوم العصيب، فذكر وعيد الكفار أولاً ثم وعد الأَبرار ثانياً للجمع بين الترهيب والترغيب فقال {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} أي إن هذه الشجرة الخبيثة - شجرة الزقوم - التي تنبتُ في أصل الجحيم، طعام كل فاجر، ليس له طعام غيرها قال أبو حيان: الأثيمُ صفة مبالغة وهو الكثير الآثام، وفُسِّر بالمشرك {كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ} أي هي في شناعتها وفظاعتها إذا أكلها الإِنسان كالنحاس المذاب الذي تناهى حرُّه، فهو يُجرجر في البطن {كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ} أي كغليان الماء الشديد الحرارة قال القرطبي: وشجرة الزقوم هي الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسمَّاها الشجرة الملعونة، فإِذا جاع أهل النار التجئوا إليها فأكلوا منها، فغلت في بطونهم كما يغلي الماء الحار، وشبَّه تعالى ما يصير منها إلى بطونهم بالمُهل وهو النحاس المذاب، والمرادُ بالأثيم الفاجر ذو الإِثم وهو أبو جهل، وذلك أنه كان يقول: يعدنا محمد أن في جهنم الزقوم، وإِنما هو الثَّريد بالزبد والتمر، ثم يأتي بالزبد والتمر ويقول لأصحابه: تزقموا، سخريةً واستهزاءً بكلام الله، قال تعالى {خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} أي يُقال للزبانية: خذوا هذا الفاجر اللئيم فسوقوه وجروه من تلابيبه بعنف وشدة إلى وسط الجحيم {ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ} أي ثم صبوا فوق رأس هذا الفاجر عذاب ذلك الحميم الذي تناهى حرُّه {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} أي يقال له على سبيل الاستهزاء والإِهانة: ذقْ هذا العذاب فإِنك أنت المعزَّز المكرَّم قال عكرمة: التقى النبي صلى الله عليه وسلم بأبي جهل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الله أمرني أن أقول لك { أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ } [القيامة: 34] فقال: بأي شيءٍ تهددني! واللهِ ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً، إِني لمن أعزِّ هذا الوادي وأكرمه على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذلَّه ونزلت هذه الآية {إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} أي إنَّ هذا العذاب هو ما كنتم تشكُّون به في الدنيا، فذوقوه اليوم { أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ } [الطور: 15] والجمعُ في الآية باعتبار المعنى لأن المراد جنس الأثيم.. ولما ذكر تعالى أحوال أهل النار أتبعه بذكر أحوال أهل الجنة فقال {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} أي الذين اتقوا اللهَ في الدنيا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم اليوم في موضع إِقامة يأمنون فيه من الآفات والمنغصات والمكاره، وهو الجنة ولهذا قال بعده {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي في حدائق وبساتين ناضرة، وعيونٍ جارية {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} أي يلبسون ثياب الحرير، الرقيق منه وهو السندس، والسميك منه وهو الاستبرق {مُّتَقَابِلِينَ} أي متقابلين في المجالس ليستأنس بعضهم ببعض {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} أي كذلك أكرمناهم بأنواع الإِكرام، وزوجناهم أيضاً بالحور الحسان في الجنان قال البيضاوي: أي قرناهم بالحور العين، والحوراءُ: البيضاءُ، والعيناءُ: عظيمة العينين، وإِنما وصف تعالى نعيمهم بذلك لأن الجنات والأنهار من أقوى أسباب نزهة الخاطر، وانفراجه عن الغم، ثم ذكر الحور الحِسان لأن بها اكتمال سعادة الإِنسان كما قيل "ثلاثةُ تنفي عن القلب الحزن: الماء، والخضرةُ، والوجهُ الحسن" ثم زاد في بيان النعيم فقال {يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} أي يطلبون من الخدم إحضار جميع أنواع الفواكه في الجنة، لأجل أنهم آمنون من التخم والأمراض، فلا تعب في الجنة ولا وَصَب {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} استثناء منقطع أي لا يذوقون في الجنة الموت لكنهم قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا فلم يعد ثمة موت، بل خلود أبد الآبدين {وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي خلَّصهم ونجَّاهم من عذاب جهنم الشديد الأليم {فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ} أي فعل ذلك بهم تفضلاً منه تعالى عليهم {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي ذلك الذي أعطوه من النعيم، هو الفوز العظيم الذي لا فوز وراءه {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي فإِنما سهلنا القرآن بلغتك - وهي لسان العرب - لعلهم يتعظون وينزجرون {فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} أي فانتظر يا محمد ما يحل بهم، إِنهم منتظرون هلاكك، وسيعلمون لمن تكون النصرة والظفر في الدنيا والآخرة، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وسلم ووعيد للمشركين.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- صيغة المبالغة {ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} {ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} {ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}.
2- الطباق
{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ } [الدخان: 8] وكذلك {إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ}.
3- تحريك الهمة للإِيمان والتبصر
{ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ } [الدخان: 7].
4- الإِيجاز بحذف بعض الكلام {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ} أي وقلنا له بأن أسر.
5- الاستعارة اللطيفة
{ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ } [الدخان: 29] أي لم يتغير بهلاكهم شيء ولم تحزن عليهم السماء والأرض بعد انقطاع آثارهم، والعرب يقولون في التعظيم: بكت عليه السماء والأرض، وأظلمت له الدنيا ويقولون في التحقير: مات فلان فلم تخشع له الجبال.
6- أسلوب التعجيز {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
7- أسلوب التهكم والسخرية {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}.
8- التفجع وإِظهار الأسى والحسرة
{ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } [الدخان: 25-26].
9- التشبيه المرسل المجمل {كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ}.
10- السجع الرصين غير المتكلف الذي يزيد في رونق الكلام وجماله إِقرأ مثلاً قوله تعالى {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ * كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}.