التفاسير

< >
عرض

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً
١
لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً
٢
وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
٣
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
٤
لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً
٥
وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً
٦
وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
٧
إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً
٨
لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً
٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
١٠
سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
١١
بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً
١٢
وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً
١٣
وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
١٤
سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٥
قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً
١٦
لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً
١٧
-الفتح

صفوة التفاسير

اللغَة: {ٱلسَّكِينَةَ} السكونُ والطمأنينة والثباتُ {ٱلسَّوْءِ} المساءة والحزن والألم قال الجوهري: ساءَه سوءاً بالفتح ومساءةً نقيضُ سَّره، والإِسمُ السُّوءُ بالضم، ودائرة السُّوء يعني الهزيمة والشر، ومن فتح فهو من المساءة {تُعَزِّرُوهُ} تعظّموه وتنصروه وتمنعوا الأذى عنه، وسمي التعزيزُ في الحدود تعزيزاً لأنه مانع من فعل القبيح {نَّكَثَ} نقض البيعة والعهد {بُوراً} هلكى قال الجوهري: البورُ: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، و"قوماً بوراً" جمع بائر، وبار فلان أي هالك {حَرَجٌ} إثم وذنب.
سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعراب المدينة حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم معه حذراً من قريش، وأحرم بعمرةٍ وساق معه الهدي ليعلم الناسُ أنه لا يريد حرباً، فتثاقلوا عنه واعتلُّوا بالشغل فنزلت {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا..} الآية.
التفسِير: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} أي قد فتحنا لك يا محمد مكة فتحاً بيناً ظاهراً، وحكمنا لك بالفتح المبين على أعدائك، والمراد بالفتح فتح مكة، وعده الله به قبل أن يكون، وذكره بلفظ الماضي لتحققه، وكانت بشارة عظيمة من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين قال الزمخشري: هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية، وهو وعدٌ له بالفتح، وجيء به بلفظ الماضي على عادة ربّ العزَّة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن الفتح ما لا يخفى {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} أي ليغفر لك ربك يا محمد جميع ما فرط منك من ترك الأولى قال أبو السعود: وتسميتُه ذنباً بالنظر إِلى منصبه الجليل وقال ابن كثير: هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها غيره، وفيه تشريفٌ عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إِذ هو أكمل البشر على الإِطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، وهو في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، ولما كان أطوع خلق الله بشره الله بالفتح المبين، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي ويكمّل نعمته عليك بإِعلاء الدين ورفع مناره {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أي ويرشدك إِلى الطريق القويم، الموصل إِلى جنات النعيم؛ بما يشرعه لك من الدين العظيم {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} أي وينصرك الله على أعدائك نصراً قوياً منيعاً، فيه عزةٌ وغلبة، يجمع لك به بين عز الدنيا والآخرة {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي هو جل وعلا الذي جعل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} أي ليزدادوا يقيناً مع يقينهم، وتصديقاً مع تصديقهم، برسوخ العقيدة في القلوب، والتوكل على علاَّم الغيوب {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي وللهِ - جلَّت عظمته - كل جنود السماوات والأرض، من الملائكة والجن، والحيوانات، والصواعق المدمّرة، والزلازل، والخسف، والغرق، جنودٌ لا تُحصى ولا تُغلب، يسلطها على من يشاء قال ابن كثير: ولو أرسل عليهم ملكاً واحداً لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده الجهاد، لما له في ذلك من الحجة القاطعة والحكمة البالغة ولذلك قال {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بأحوال خلقه، حكيماً في تقديره وتدبيره قال المفسرون: أراد بإِنزال السكينة في قلوب المؤمنين "أهل الحديبية" حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مناجزة الحرب مع أهل مكة، بعد أن حصل لهم ما يزعج النفوس ويزيغ القلوب، من صد الكفار لهم عن دخول مكة، ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصود، فلم يرجع منهم أحدٌ عن الإِيمان، بعد أن هاج الناس وماجوا، وزلزلوا حتى جاء عمر بن الخطاب إِلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ألست نبيَّ الله حقاً؟ قال: بلى، قال ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟ قال بلى، قال: فلم نعط الدنيَّة في ديننا إِذن؟ قال إِني رسول الله وليست أعصيه وهو ناصري..الخ. {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أي ليدخلهم - على طاعتهم وجهادهم - حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحتها أنهار الجنة ماكثين فيها أبداً {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي ويمحو عنهم خطاياهم وذنوبهم {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً} أي وكان ذلك الإِدخال في الجنات والتكفير عن السيئات، فوزاً كبيراً وسعادةً لا مزيد عليها، إذ ليس بعد نعيم الجنة نعيم {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ} أي وليعذِّب الله أهل النفاق والإِشراك، وقدَّمهم على المشركين لأنهم أعظم خطراً وأشد ضرراً من الكفار المجاهرين بالكفر {ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} أي الظانين بربهم أسوأ الظنون، ظنوا أن الله تعالى لن ينصر رسوله والمؤمنين، وأن المشركين يستأصلونهم جميعاً كما قال تعالى {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} قال القرطبي: ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إِلى المدينة ولا أحدٌ من أصحابه حين خرج إِلى الحديبية {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} دعاءٌ عليهم أي عليهم ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين من الهلاك والدمار {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} أي سخط تعالى عليهم بكفرهم ونفاقهم، وأبعدهم عن رحمته {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} أي وهيأ لهم في الآخرة ناراً مستعرة هي نار جهنم، وساءت مرجعاً ومنقلباً لأهل النفاق والضلال {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تأكيد للانتقام من الأعداء أعداء الإِسلام من الكفرة والمنافقين قال الرازي: كرر اللفظ لأن جنود الله قد يكون إِنزالهم للرحمة، وقد يكون للعذاب، فذكرهم أولاً لبيان الرحمة بالمؤمنين وثانياً لبيان إِنزال العذاب عل الكافرين {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي عزيزاً في ملكه وسلطانه، حكيماً في صنعه وتدبيره قال الصاوي: ذكر هذه الآية أولاً في معرض الخلق والتدبير فذيَّلها بقوله
{ عَلِيماً حَلِيماً } [الأحزاب: 51] وذكرها ثانياً في معرض الانتقام فذيَّلها بقوله {عَزِيزاً حَكِيماً} وهو في منتهى الترتيب الحسن، لأنه تعالى ينزل جنود الرحمة لنصرة المؤمنين، وجنود العذاب لإِهلاك الكافرين.. ثم امتن تعالى على رسوله الكريم بتشريفه بالرسالة، وبعثه إِلى كافة الخلق فقال {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} أي: إِنا أرسلناك يا محمد شاهداً على الخلق يوم القيامة، ومبشراً للمؤمنين بالجنة، ومنذراً للكافرين من عذاب النار {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي أرسلنا الرسول لتؤمنوا أيها الناس بربكم ورسولكم حقَّ الإِيمان، إِيماناً عن اعتقاد ويقين، لا يخالطه شك ولا ارتياب {وَتُعَزِّرُوهُ} أي تُفخموه وتُعظِّموه {وَتُوَقِّرُوهُ} أي تحترموا وتجلُّوا أمره مع التعظيم والتكريم، والضمير فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي تسبحوا ربكم في الصباح والمساء، ليكون القلب متصلاً بالله في كل آن، ثم قال تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} أي إن الذين يبايعونك يا محمد في الحديبية "بيعة الرضوان" إِنما يبايعون في الحقيقة اللهَ، وهذا تشريفٌ للنبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سفيرٌ ومعبِّر عن الله قال المفسرون: المراد بالبيعة هنا بيعة الرضوان بالحديبية، حين بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت كما روى الشيخان عن سلمة ابن الأكوع أنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت" وسميت "بيعة الرضوان" لقول الله فيها { لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } [الفتح: 18] {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} قال ابن كثير: أي هو تعالى حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله صلى لله عليه وسلم وقال الزمخشري: يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو أيدي المبايعين هي يدُ الله، والمعنى أن من بايع الرسول فقد بايع الله كقوله تعالى { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } [النساء: 80] {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} أي فمن نقض البيعة فإِنما يعود ضرر نكثه عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب بنقضه العهد والميثاق الذي عاهد به ربه {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ} أي ومنْ وفَّى بعهده {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} أي فسيعطيه الله ثواباً جزيلاً، وهو الجنة دار الأبرار {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} أي سيقول لك يا محمد المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج معك عام الحديبية من أعراب المدينة {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا} أي شُغلنا عن الخروج معك بالأموال والأولاد، فاطلب لنا من الله المغفرة، لأن تخلفنا لم يكن باختيار بل عن اضطرار قال في التسهيل: سمَّاهم تعالى بالمخلَّفين لأنهم تخلَّفوا عن غزوة الحديبية، - والأعراب هم أهل البوادي من العرب - لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة يعتمر، رأوا أنه يستقبل عدواً كثيراً من قريش وغيرهم فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن إِيمانهم متمكناً فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر، ففضحهم الله في هذه السورة وأعلمَ تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إِليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} اي يقولون خلاف ما يبطنون وهذا هو النفاق المحض، فهم كاذبون في الاعتذار وطلب الاستغفار، لأنهم قالوه رياءً من غير صدقٍ ولا توبة {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً}؟ أي قل لهم: مَن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، إِن أراد أن يُلحق بكم أمراً يضركم كالهزيمة، أو أمراً ينفعكم كالنصر والغنيمة؟ قال القرطبي: وهذا ردٌ عليهم حين ظنوا ان التخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم الضرُّ، ويُعجل لهم النفع {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} أي ليس الأمر كما زعمتم بل الله مطلع على ما في قلوبكم من الكذب والنفاق، ثم أظهر تعالى ما يخفونه في نفوسهم فقال {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} أي بل ظننتم أيها المنافقون أن محمداً وأصحابه لن يرجعوا إِلى المدينة أبداً {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ} أي وزُيّن ذلك الضلال في قلوبكم {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} أي ظننتم أنهم يُسْتأصلون بالقتل، ولا يرجع منهم أحد {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} أي وكنتم قوماً هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} لما بيَّن حال المتخلفين عن رسول الله، وبيَّن حال ظنهم الفاسد، وأنه يفضي بصاحبه إِلى الكفر، حرَّضهم على الإِيمان والتوبة على سبيل العموم والمعنى من لم يؤمن بالله ورسوله بطريق الإِخلاص والصدق {فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً} أي فإِنَّا هيأنا للكافرين ناراً شديدة مستعرة، وهو وعيدٌ شديد للمنافقين {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي له جل وعلا جميع ما في السماوات والأرض، يتصرف في الكل كيف يشاء {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} أي يرحم من يشاء من عباده ويُعذب من يشاء، وهذا قطع لطمعهم في استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي واسع المغفرة عظيم الرحمة {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} أي سيقول الذين تخلَّفوا عن الخروج مع رسول الله في عمرة الحديبية، عند ذهابكم إِلى مغانم خيبر لتحصلوا عليها {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} أي اتركونا نخرج معكم إِلى خيبر لنقاتل معكم {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} أي يريدون أن يُغيّروا وعد الله الذي وعده لأهل الحديبية من جعل غنائم خيبر لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد قال القرطبي: إن الله تعالى جعل لأهل الحديبية غنائم خيبر عوضاً عن فتح مكة إِذ رجعوا من الحديبية على صلح {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} أي قل لهم لا تتبعونا فلن يكون لكم فيها نصيب {كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} أي كذلكم حكم الله تعالى بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب قبل رجوعنا منها {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أي فسيقولون ليس هذا من الله بل هو حسد منكم لنا على مشاركتكم في الغنيمة، قال تعالى ردّاً عليهم {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لا يفهمون إِلا فهماً قليلاً وهو حرصهم على الغنائم وأمور الدنيا {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي قل لهؤلاء الذين تخلَّفوا عن الحديبية ـ كرَّر وصفهم بهذا الإِسم إظهاراً لشناعته ومبالغةً في ذمهم - ستُدعون إِلى حرب قوم أشداء، هم بنو حنيفة - قوم مسيلمة الكذاب - أصحاب الردة {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} أي إِما أن تقتلوهم أو يدخلوا في دينكم بلا قتال {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً} أي فإِن تستجيبوا وتخرجوا لقتالهم يعطكم الله الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي وإِن تتخلفوا عن الخروج كما تخلفتم زمن الحديبية، يعذبكم اللهُ عذاباً شديداً مؤلماً في نار جهنم.. ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فقال {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} أي ليس على هؤلاء إِثم أو ذنب في ترك الخروج للجهاد لما بهم من الأعذار الظاهرة {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من يطع أمر الله وأمر الرسول يدخله جنات النعيم خالداً فيها {وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} أي ومن ينكل عن الجهاد لغير عذر يعذبه الله عذاباً شديداً، في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار.