التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
١٨٧
قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١٨٨
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ
١٨٩
فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
١٩٠
أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
١٩١
وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ
١٩٢
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ
١٩٣
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٩٤
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ
١٩٥
إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ
١٩٦
وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
١٩٧
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ
١٩٨
خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ
١٩٩
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٠٠
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ
٢٠١
وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ
٢٠٢
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٢٠٣
وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
٢٠٤
وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ
٢٠٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ
٢٠٦
-الأعراف

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى موقف المستهزئين من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر هنا طرفاً من عنادهم واستهزائهم بسؤالهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة، ثم ذكر الحجج والبراهين على بطلان عقيدة المشركين في عبادة الأوثان والأصنام، وختم السورة الكريمة ببيان عظمة شأن القرآن ووجوب الاستماع والإِنصات عند تلاوته.
اللغَة: {مُرْسَاهَا} استقرارها وحصولها من أرساه إِذا أثبته وأقره ومنه رست السفينة إذا ثبتت ووقفت {يُجَلِّيهَا} يظهرها، والتجلية: الكشفُ والإِظهار {حَفِيٌّ} الحفيُّ: المستقصي للشيء المعتني بأمره قال الأعشى:

فإن تسألي عنّي فيا ربَّ سائلٍ حفيٍّ عن الأعشى به حيث أصْعَدا

والإِحفاء الاستقصاء ومنه إحفاء الشوارب وحفي عن الشيء إذا بحث للتعرف عن حاله {ٱلْعُرْفِ} المعروف وهو كل خصلة حميدة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس {ٱلآصَالِ} جمع أصيل قال الجوهري: والأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب.
سَبَبُ النّزول: روي أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنتَ نبياً فأخبرنا عن الساعة متى تقوم؟ فأنزل الله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا}.
التفسِير: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} أي يسألونك يا محمد عن القيامة {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أي متى وقوعها وحدوثها؟ وسميت القيامة ساعة لسرعة ما فيها من الحساب كقوله
{ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } [النحل: 77] {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} أي قل لهم يا محمد لا يعلم الوقت الذي يحصل قيام القيامة فيه إلا الله سبحانه ثم أكَّد ذلك بقوله {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} أي لا يكشف أمرها ولا يظهرها للناس إلا الرب سبحانه بالذات فهو العالم بوقتها {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي عظُمت على أهل السماوات والأرض حيث يشفقون منها ويخافون شدائدها وأهوالها {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} أي يسألونك يا محمد عن وقتها كأنك كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} أي لا يعلم وقتها إلا الله لأنها من الأمور الغيبية التي استأثر بها علاّم الغيوب {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون السبب الذي لأجله أُخْفيتْ قال الإِمام الفخر: والحكمة في إخفاء الساعة عن العباد أنهم إذا لم يعلموا متى تكون كانوا على حذرٍ منها فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيراً ولا أدفع عنها شراً إلا بمشيئته تعالى فكيف أملك علم الساعة؟ {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} أي لو كنت أعرف أمور الغيب لحصّلت كثيراً من منافع الدنيا وخيراتها ودفعت عني آفاتها ومضراتها {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ} أي لو كنت أعلم الغيب لاحترست من السوء ولكنْ لا أعلمه فلهذا يصيبني ما قُدَّر لي من الخير والشر {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} أي ما أنا إلا عبد مرسل للإِنذار والبشارة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي لقوم يصدقون بما جئتهم به من عند الله {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي هو سبحانه ذلك العظيم الشأن الذي خلقكم جميعاً وحده من غير معين من نفسٍ واحدة هي آدم عليه السلام {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي وخلق منها حواء {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} أي ليطمئن إليها ويستأنس بها {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} أي فلما جامعها حملت بالجنين حملاً خفيفاً دون إزعاج لكونه نطفةً في بادئ الأمر قال ابو السعود: فإنه عند كونه نطفة أو علقة أخف عليها بالنسبة إلى ما بعد ذلك من المراتب، والتعرضُ لذكر خفته للإِشارة الى نعمته تعالى عليهم في إنشائه إياهم متدرجين في أطوار الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة {فَمَرَّتْ بِهِ} أي استمرت به إلى حين ميلاده {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} أي ثقل حملها وصارت به ثقيلة لكبر الحمل في بطنها {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا} أي دعوا الله مربيهما ومالك أمرهما {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي لئن رزقتنا ولداً صالحاً سويَّ الخِلْقة لنشكرنَّك على نعمائك {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً} أي فلما وهبهما الولد الصالح السويّ {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا} أي جعل هؤلاء الأولاد والذرية شركاء مع الله فعبدوا الأوثان والأصنام {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزّه وتقدّس الله عما ينسبه إليه المشركون {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} الاستفهام للتوبيخ أي أيشركون مع الله ما لا يقدر على خلق شيء أصلاً {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي والحال أن تلك الأوثان والآلهة مخلوقة فكيف يعبدونها مع الله؟ قال القرطبي: وجمع الضمير بالواو والنون لأنهم اعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع فأجريت مجرى الناس {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً} أي لا تستطيع هذه الأصنام نصر عابديها {وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} أي ولا ينصرون أنفسهم ممن أرادهم بسوء، فهم في غاية العجز والذلة فكيف يكونون آلهة؟ {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} أي أن الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى خير أو رشاد لأنها جمادات {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ} أي يتساوى في عدم الإِفادة دعاؤكم لهم وسكوتكم قال ابن كثير: يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها كما قال إبراهيم { يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً } [مريم: 42] {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} أي إن الذين تعبدونهم من دونه تعالى من الأصنام وتسمونهم آلهة مخلوقون مثلكم بل الأناس أكمل منها لأنها تسمع وتبصر وتبطش وتلك لا تفعل شيئاً من ذلك فلهذا قال {فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أمرٌ على جهة التعجيز والتبكيت أي أدعوهم في جلب نفع أو دفع ضرٍّ إن كنتم صادقين في دعوى أنها آلهة {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ} توبيخ إثر توبيخ وكذلك ما بعده من الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي هل لهذه الأصنام {أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ} أي أم هل لهم أيدٍ تفتك وتبطش بمن أرادها بسوء؟ {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ} أي أم هل لهم أعينٌ تبصر بها الأشياء؟ {أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي أم هل لهم آذان تسمع بها الأصوات؟ والغرض بيان جهلهم وتسفيه عقولهم في عبادة جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن عابدها شيئاً لأنها فقدت الحواس وفاقد الشيء لا يعطيه، والإِنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام لوجود العقل والحواس فيه فكيف يليق بالأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخسّ الأدون الذي لا يحسُّ منه فائدة أبداً لا في جلب منفعة ولا في دفع مضرّة؟! {قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} أي قل لهم يا محمد أدعوا أصنامكم واستنصروا واستعينوا بها عليَّ {ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} أي ابذلوا جهدكم أنتم وهم في الكيد لي وإلحاق الأذى والمضرة بي ولا تمهلون طرفة عين، فإني لا أبالي بكم لاعتمادي على الله قال الحسن: خوفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بآلهتهم فأمره تعالى أن يجابههم بذلك {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ} أي إنَّ الذي يتولى نصري وحفظي هو الله الذي نزَّل عليَّ القرآن {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} أي هو جل وعلا يتولى عباده الصالحين بالحفظ والتأييد، وهو وليهم في الدنيا والآخرة {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} كرّره ليبيّن أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ} أي وإِن تدعوا هذه الأصنام إلى الهداية والرشاد لا يسمعوا دعاءكم فضلاً عن المساعدة والإِمداد {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي وتراهم يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد لا تبصر لأن لهم صورة الأعين وهم لا يرون بها شيئاً {خُذِ ٱلْعَفْوَ} أمرٌ له عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق أي خذ بالسهل اليسير في معاملة الناس ومعاشرتهم قال ابن كثير: وهذا أشهر الأقوال ويشهد له قول جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم "إن الله يأمركَ أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك" {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} أي بالمعروف والجميل المستحسن من الأقوال والأفعال {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} أي لا تقابل السفهاء بمثل سفههم بل احلم عليهم قال القرطبي: وهذا وإن كان خطاباً لنبيه عليه الصلاة والسلام فهو تأديبٌ لجميع خلقه {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} أي وإِمّا يصيبنَّك يا محمد طائف من الشيطان بالوسوسة والتشكيك في الحق {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} أي فاستجر بالله والجأ إليه في دفعه عنك {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميعٌ لما تقول عليمٌ بما تفعل {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي الذين اتصفوا بتقوى الله {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ} أي إذا أصابهم الشيطان بوسوسته وحام حولهم بهواجسه {تَذَكَّرُواْ} أي تذكروا عقاب الله وثوابه {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} أي يبصرون الحق بنور البصيرة ويتخلصون من وساوس الشيطان {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} أي إخوان الشياطين الذين لم يتقوا الله وهم الكفرة الفجرة فإن الشياطين تغويهم وتزين لهم سبل الضلال {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} أي لا يُمْسكون ولا يكفّون عن إغوائهم {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ} أي وإذا لم تأتهم بمعجزةٍ كما اقترحوا {قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} أي هلاّ اختلقتها يا محمد واخترعتها من عند نفسك؟! وهو تهكمٌ منهم لعنهم الله {قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي} أي قل لهم يا محمد ليس الأمر إليَّ حتى آتي بشيءٍ من عند نفسي وإنما أنا عبدٌ امتثل ما يوحيه الله إليَّ {هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} أي هذا القرآن الجليل حججٌ بيّنة، وبراهين نيّرة يغني عن غيره من المعجزات فهو بمنزلة البصائر للقلوب به يُبْصر الحق ويُدرك {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي وهداية ورحمة للمؤمنين لأنهم المقتبسون من أنواره والمنتفعون من أحكامه {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} أي وإذا تليت آيات القرآن فاستمعوها بتدبر واسكتوا عند تلاوته إعظاماً للقرآن وإجلالاً {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لكي تفوزوا بالرحمة {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} أي واذكر ربك سراً مستحضراً لعظمته وجلاله {تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} أي متضرعاً إليه وخائفاً منه {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} أي وسطاً بين الجهر والسرّ {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} أي في الصباح والعشيّ {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ} أي ولا تغفُل عن ذكر الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} أي الملائكة الأطهار {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} أي لا يتكبرون عن عبادة ربهم {وَيُسَبِّحُونَهُ} أي ينزهونه عما لا يليق به {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} أي لا يسجدون إلا لله.
البَلاَغَة: 1- {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} التشبيه مرسل مجمل لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه.
2- {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} التغشي هنا كناية عن الجماع وهو من الكنايات اللطيفة.
3- {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ..} الخ هذا الأسلوب يسمى "الإِطناب" وفائدته زيادة التقريع والتوبيخ.
4- {يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} شبّه وسوسة الشيطان وإغراءه الناس على المعاصي بالنزغ وهو إِدخال الإِبرة وما شابهها في الجلد ففيه استعارة لطيفة.
5- {هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} فيه تشبيه بليغ وأصله هذا كالبصائر، حُذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فهو بليغ ويرى بعض العلماء أنه من قبيل المجاز المرسل حيث أطلق المسبّب على السبب لأن القرآن لما كان سبباً لتنوير العقول أطلق عليه لفظ البصيرة.
لطيفَة: حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سوَّل لك الخطايا؟ قال: أجاهده قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال إن هذا يطول، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنعك من العبور ماذا تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي قال: هذا يطول عليك ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك، فهذه فائدة الإِستعاذة.