التفاسير

< >
عرض

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً
٢٧
يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً
٢٨
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً
٢٩
قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً
٣٠
وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً
٣١
وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً
٣٢
وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً
٣٣
-مريم

مختصر تفسير ابن كثير

يقول تعالى مخبراً عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وأن لا تكلم أحداً من البشر، فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله عزَّ وجلَّ واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله. فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جداً، وقالوا {يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أي أمراً عظيماً، {يٰأُخْتَ هَارُونَ} أي يا شبيهة هارون في العبادة، {مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟ قال السدي: قيل لها {يٰأُخْتَ هَارُونَ} أي أخي موسى وكانت من نسله، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر، وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في الزهادة والعبادة. وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم. كما قال الإمام أحمد، عن المغيرة بن شعبة قال: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرأون {يٰأُخْتَ هَارُونَ} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم" .
وقال ابن جرير، عن قتادة قوله {يٰأُخْتَ هَارُونَ} الآية قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحاً محبباً في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر، قال وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمون هارون من بني إسرائيل. وقوله: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} أي أنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها، وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها هذا صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها ظانين أنه تزدري بهم وتلعب بهم {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً}؟ قال السدي: لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا حتى تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} أي من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ {قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه، وقوله: {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} تبرئة لأمّه مما نسبت إليه من الفاحشة، قال نوف البكالي: لما قالوا لأمه ما قالوا كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر وقال: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} إلى قوله {مَا دُمْتُ حَيّاً}.
وقوله تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ}، قال مجاهد: وجعلني معلماً للخير، وفي رواية عنه: نفاعاً، وقوله: {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم:
{ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } [الحجر: 99]. وقوله: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} أي وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة ربه لأن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } [لقمان: 14]، وقوله: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} أي ولم يجعلني جباراً مستكبراً عن عبادته وطاعته وبر والدتي فأشقى بذلك، قال سفيان الثوري: الجبار الشقي الذي يقتل على الغضب، وقال بعض السلف: لا تجد أحداً عاقاً لوالديه إلاّ وجدته جباراً شقياً، ثم قرأ: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً}. وقوله: {وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} إثبات منه لعبوديته لله عزّ وجلّ، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، صلوات الله وسلامه عليه.