التفاسير

< >
عرض

كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٢١٦
يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٢١٧
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢١٨
-البقرة

تفسير آيات الأحكام

[11] القتال في الأشهر الحرام
التحليل اللفظي
{كُرْهٌ}: بضم الكاف أي مكروه لكم تكرهه نفوسكم لما فيه من المشقة، وُضع المصدر موضع الوصف مبالغةً، كقوله تعالى:
{ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [التوبة: 28] وكقول الخنساء:

فإنما هي إقبال وإدبار

قال ابن قتيبة: الكَره بالفتح معناه الإكراه والقهر، وبالضم معناه المشقة.
{ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ}: الشهر الذي يحرم فيه القتال، والمراد به هنا شهر رجب، وكان يدعى (الأصم) لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح قعقعة تعظيماً له.
{وَصَدٌّ}: الصدّ: الصرف والمنع يقال: صدّه عن الشيء أي منعه عنه.
{وَٱلْفِتْنَةُ}: أي فتنة المسلمين في دينهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم أو بتعذيبهم.
{يَرْتَدِدْ}: أي يرجع، والردّة: الرجوع من الإيمان إلى الكفر، ويُسمى فاعل ذلك مرتداً.
قال الراغب: الارتداد والردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكن الردة تختص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره قال تعالى:
{ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِه } [المائدة: 54] وهو الرجوع من الإسلام إلى الكفر، وقال تعالى: { فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً } [الكهف: 64].
{حَبِطَ}: أي فسد وبطل عمله، قال في "اللسان": حبَط حبْطاً وحبوطاً: عمل عملاً ثم أفسده، وفي التنزيل
{ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } [محمد: 28] أي أبطل ثوابهم.
قال أهل اللغة: أصل الحَبْط مأخوذ من (الحَبَط) وهو أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها وفي الحديث
"وإنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطاً أو يُلمّ" فسمي بطلان العمل بهذا لما فيه من الفساد.
{هَاجَرُواْ}: الهجرة مفارقة الأهل والوطن في سبيل الله، لنصرة دينه.
قال الراغب: الهجرة الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان وأصلها من الهَجْر الذي هو ضد الوصل، ومنه قيل للكلام القبيح (هُجْر) لأنه مما ينبغي أن يُهجر، والهاجرة: وقت الظهيرة لأنه وقت يهجر فيه العمل.
{وَجَاهَدُواْ}: الجهاد بذل الوسع والمجهود وأصله من الجهد الذي هو المشقة، وسمي قتال الأعداء (جهاداً) لأن فيه بذل الروح والمال لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه.
{يَرْجُونَ}: الرجاء هو الأمل والطمع في حصول ما فيه نفع.
قال الراغب: الرجاء ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة.
وفي "اللسان": الرجاء من الأمل نقيض اليأس، وهو بمعنى التوقع والأمل، قال بشر يخاطب بنته:

فرجّي الخير وانتظري إيابيإذا ما القارظ العنزيّ آبا

{غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: أي واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بعبادة المؤمنين.
المعنى الإجمالي
يقول الله جل ثناؤه ما معناه: "فُرض عليكم - أيها المؤمنون - قتال الكفار، وهو شاق عليكم، تنفر منه الطباع لما فيه من بذل المال وخطر هلال النفس، ولكن قد تكره نفوسكم شيئاً وفيه كل النفع والخير، وقد تحب شيئاً وفيه كل الخطر والضرر، والله يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما فرض عليكم من جهاد عدوكم، فإن فيه الخير لكم في العاجل والآجل.
يسألك أصحابك - يا محمد - عن القتال في الشهر الحرام، أيحل لهم القتال فيه؟ قل لهم: القتال في نفسه أمر كبير، ولكن صدّ المشركين عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وكفرهم بالله، وإخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته، كلُّ ذلك أكبرُ جرماً وذنباً عند الله من قتل من قتلتم من المشركين، وقد كانوا يفتنونكم عن دينكم فذلك أكبر عند الله من القتل، فإن كنتم قتلتموهم في الشهر الحرام، فقد ارتكبوا ما هو أشنع وأقبح من ذلك، حيث فتنوكم عن دينكم، والفتنة أكبر من القتل.
ثمّ أخبر تعالى بأن المشركين لا يزالون جاهدين في فتنة المؤمنين، حتى يردوهم عن دينهم إن قدروا على ذلك، فهم غير نازعين عن كفرهم وإجرامهم، ومن يستجب لهم منكم فيرجع عن دينه، فقد بطل عمله وذهب ثوابه، وأصبح من المخلدين في نار جهنم، لأنه استجاب لداعي الضلال.
ثم أخبر تعالى أن المؤمنين الذين هاجروا مع رسول الله، وبذلوا جهدهم في مقاومة الكفار أعداء الله، هم الذين يرجون رحمة الله وإحسانه، وهم جديرون بهذا الفضل والعطاء لأنهم استفرغوا ما في وسعهم، وبذلوا غاية جهدهم في مرضاة الله، فحُقَّ لهم أن ينالوا الفوز والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
سبب النزول
روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث (عبد الله بن جحش) على سرية في جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين، ليترصدوا عيراً لقريش فيها (عمرو بن عبد الله الحضرمي) وثلاثة معه، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير بما فيها من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: قد استحلّ محمد الشهر الحرام، شهراً يأمن فيه الخائف، ويتفرق فيه الناس إلى معايشهم، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير، وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا فنزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} قال ابن عباس: لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة.
وجوه الإعراب
1 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} قتالٍ: بدل من الشهر الحرام بدل اشتمال والمعنى: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، وقال الكسائي: هو مخفوض على التكرير أي عن قتال فيه.
2 - قوله تعالى: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} صدّ: مبتدأ و(عن سبيل الله) متعلق به (وكفر) معطوف عن صدّ (وإخراج أهله) معطوف أيضاً، وخبر الأسماء الثلاثة (أكبر).
قال الزمخشري: (والمسجد الحرامِ) عطف على (سبيل الله) ولا يجوز أن يعطف على الهاء في (به).
3 - قوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ} مَنْ: شرطية مبتدأ والخبر هو جملة {فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: كلمة (عسى) توهم الشك في أصلها مثل (لعلّ) وهي من الله يقين، قال الخليل: "عسى" من الله واجب في القرآن قال:
{ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ } [المائدة: 52] وقد وُجد، و { عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً } [يوسف: 83] وقد حصل.
اللطيفة الثانية: قال الحسن: لا تكرهوا الشدائد والملمات، فربّ أمر تكرهه فيه نجاتك، وربّ أمرٍ تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير:

ربّ أمــرٍ تتّقيــهجرّ أمــراً ترتضيــه
خفي المحبــوب منــهوبدا المكـــروه فيــه

اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} أي مكروه لكم بالطبع، لأنه شاق وثقيل على النفس، وهذه الكراهة الطبيعية لا تنافي الرضا بحكم الله وقضائه كالمريض يشرب الدواء المر البشع الذي تعافه نفسه، لاعتقاده بما فيه من النفع في العاقبة، وإنما وضع المصدر في الآية موضع الوصف مبالغة كقوله الخنساء:

فإنمــا هي إقبــال وإدبــار

اللطيفة الرابعة: استعظم المشركون القتل في الشهر الحرام، مع أنهم فعلوا ما هو أفظع وأشنع، من الصد عن دين الله، والفتنة للمؤمنين، وفيهم يقول بعض الشعراء:

تعدون قتلاً في الحرام عظيمةوأعظم منه لو يرى الرشدَ راشدُ
صدودكُمُ عمّا يقولُ محمدٌوكفرٌ به واللهُ راءٍ وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهلَهلئلا يُرى لله في البيت ساجدُ
فإنّا وإن عيرتمونا بقتلهوأرجف بالإسلام باغٍ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنابنخلةَ لمّا أوقد الحربَ واقد

اللطيفة الخامسة: قال الزمخشري: في قوله تعالى: {إِن اسْتَطَاعُواْ} استبعاد لاستطاعتهم كقول الرجل لعدوه: إن ظفرتَ بي فلا تبق عليّ، وهو واثق بأنه لا يظفر به.
اللطيفة السادسة: التعبير بقوله تعالى: {أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ} فيه لطيفة وهي ألا يتكل الإنسان على عمله، بل يعتمد على فضل الله كما جاء في الحديث الشريف :
"لن يُدخلَ أحدَكُم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" .
وعن قتادة رضي الله عنه: "هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وإنه من رجا طلب، ومن خاف هرب".
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل يباح القتال في الأشهر الحرم؟
دلت هذه الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام، وقد اختلف المفسرون هل بقيت الحرمة أم نسخت؟
فذهب عطاء إلى أن هذه الآية لم تنسخ، وكان يحلف على ذلك، كما قال ابن جرير: حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا على سبيل الدفع.
وذهب الجمهور إلى أن الآية منسوخة، نسختها آية براءة
{ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5] وقوله تعالى: { وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً } [التوبة: 36] سئل (سعيد بن المسيب) هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم.
حجة الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا (هوازن) بحنين، و(ثقيفاً) بالطائف، وأرسل (أبا عامر) إلى أوطاس ليحارب من فيها من المشركين، وكان ذلك في بعض الأشهر الحرم، ولو كان القتال فيهن حراماً لما فعله النبي عليه السلام.
قال ابن العربي: "والصحيح أن هذه الآية رد على المشركين حين أعظموا على النبي صلى الله عليه وسلم القتال في الشهر الحرام، فقال تعالى: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ..} فإذا فعلتم ذلك كله في الشهر الحرام تعيّن قتالكم فيه".
الحكم الثاني: هل الردة تحبط العمل وتذهب بحسنات الإنسان؟
دل قوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} على أن الردة تُحبط العملَ، وتُضيع ثواب الأعمال الصالحة، وقد اختلف العلماء في المرتد هل يحبط عمله بنفس الردة، أم بالوفاة على الكفر؟
فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن العمل يحبط بنفس الردّة.
وقال الشافعيرحمه الله : لا يبطل العمل إلا بالموت على الكفر.
حجة الشافعي قوله تعالى: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} فقد قيّده بالموت على الكفر، فإذا أسلم بعد الردة لم يثبت شيء من الأحكام، لا حبوط العمل، ولا الخلود في النار.
وحجة مالك وأبي حنيفة قوله تعالى:
{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر: 65] وقوله { وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } [المائدة: 5] فقد دلت الآيتان على أن الكفر محبط للعمل بدون تقييد بالوفاة على الكفر.
وقد انبنى على ذلك خلافهم في المسلم إذا حجّ ثم ارتد ثم أسلم.
فقال مالك وأبو حنيفة يلزمه إعادة الحج، لأن ردته أحبطت حجه.
وقال الشافعي: لا حج عليه لأن حجة قد سبق، والردة لا تحبطه إلا إذا مات على كفره.
قال ابن العربي في تفسيره "أحكام القرآن": "واستظهر علماؤنا بقول الله تعالى:
{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر: 65] وقالوا: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، لأنه صلى الله عليه وسلم يستحيل منه الردة، وإنما ذكر الموافاة، شرطاً هٰهنا لأنه علّق عليها الخلود في النار جزاءً ممن وافى كافراً خلّده في النار بهذه الآية، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين مختلفين، وحكمين متغايرين".
أقول: ظواهر النصوص تشير إلى إحباط العمل بالردّة مطلقاً، فالراجح قول المالكية والحنفية والله أعلم.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
1 - القتال مكروه للنفوس ولكنه سبيل لنصرة الحق وإعزاز الدين.
2 - لا ينبغي للمؤمن أن يتقاعس عن الجهاد لأن فيه النصر أو الشهادة.
3 - الصد عن دين الله، والكفر بآيات الله أعظم إثماً من القتال في الشهر الحرام.
4 - الهدف من قتال المشركين للمسلمين ردهم إلى الكفر بشتى الطرق والوسائل.
5 - الردة عن الإسلام تحبط العمل وتخلد الإنسان في نار جهنم.