خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
٧٠
-الأنعام

جامع البيان في تفسير القرآن

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ذر هؤلاء الذين اتخذوا دين الله وطاعتهم إياه لعباً ولهواً، فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إياه اللعب بآياته واللهو والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم، فأعرض عنهم، فإني لهم بالمرصاد، وإني لهم من وراء الإنتقام منهم والعقوبة لهم على ما يفعلون وعلى اغترارهم بزينة الحياة الدنيا ونسيانهم المعاد إلى الله تعالى والمصير إليه بعد الممات. كالذي:

حدثني محمد بن عروة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله الله: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبا ولَهْواً} قال: كقوله: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } }.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وقد نسخ الله تعالى هذه الآية بقوله: { فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وكذلك قال عدد من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا همام بن يحيى، عن قتادة: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ولَهْواً} ثم أنزل في سورة براءة، فأمر بقتالهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: قرأت علي ابن أبي عروبة، فقال: هكذا سمعته من قتادة: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ولَهْواً} ثم أنزل الله تعالى ذكره براءة، وأمر بقتالهم، فقال: { فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } }.

وأما قوله: {وَذَكِّر بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} فإنه يعني به: وذكر يا محمد بهذا القرآن هؤلاء المولين عنك وعنه {أن تُبْسَل نَفْسٌ} بمعنى: أن لا تبسل، كما قال: { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلُّوا } بمعنى: أن لا تضلوا. وإنما معنى الكلام: وذكر به ليؤمنوا ويتبعوا ما جاءهم من عند الله من الحقّ، فلا تُبْسَل أنفسهم بما كسبت من الأوزار ولكن حذفت «لا» لدلالة الكلام عليها.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ} فقال بعضهم: معنى ذلك: أن تُسْلَم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة، قوله: {أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} قال: تسلم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {أنْ لا تُبْسَلَ نَفْسٌ} قال: أن تُسْلَم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: {أنْ تُبْسَلَ} قال: تسلم.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ} قال: تسلم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد: {أولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا} أسلموا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تحبس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ} قال: تؤخذ فتحبس.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد، في قوله: {أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ}: أن تؤخذ نفس بما كسبت.

وقال آخرون: معناه: تفضح. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ} يقول: تفضح.

وقال آخرون: معناه: أن تجزى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، قال: قال الكلبي: {أنْ تُبْسَلَ}: أن تجزى.

وأصل الإبسال: التحريم، يقال منه: أبسلت المكان: إذا حرمته فلم تقر به ومنه قوله الشاعر:

بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنٍ فِي النَّدَىبَسْلٌ عَلَيْكَ مَلاَمَتِي وَعِتابي

أي حرام ومنه قولهم: وعتابي أسد آسد، ويراد به: لا يقربه شيء، فكأنه قد حرم نفسه. ثم يجعل ذلك صفة لكل شديد يُتحامى لشدّته، ويقال: أعط الراقي بسيلَتَهُ، يراد بذلك: أجرته، شراب بسيل: بمعنى متروك، وكذلك المبسل بالجريرة، وهو المرتهن بها، قيل له مبسل لأنه محرّم من كلّ شيء إلا مما رهن فيه وأسلم به ومنه قول عوف بن الأحوص الكلابي:

وإبْسالي بَنِيَّ بغَيْرِ جُرْمٍبَعَوْناهُ وَلا بدَمٍ مُرَاقِ

وقال الشَّنْفَرَي:

هُنالِكَ لا أرْجُو حيَاةً تَسُرُّنِيسَمِيرَ اللَّيالي مُبْسَلاً بالجَرائِرِ

فتأويل الكلام إذن: وذكِّر بالقرآن هؤلاء الذين يخوضون في آياتنا وغيرَهم ممن سلك سبيلهم من المشركين، كيلا تبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها، وترتهن فتغلق بما كسبت من إجرامها في عذاب الله. {لَيْسَ لهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ} يقول: ليس لها حين تسلم بذنوبها فترتهن بما كسبت من آثامها أحد ينصرها فينقذها من الله الذي جازاها بذنوبها جزاءها، ولا شفيع يشفع لها، لوسيلة له عنده.

القول في تأويل قوله تعالى:{ وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها}.

يقول تعالى ذكره: {وَإنْ تَعْدِلْ} النفس التي أبسلت بما كسبت، يعني وإن تعدل {كُلَّ عَدْلٍ} يعني: كلّ فداء، يقال منه: عَدَلَ يعدِلُ: إذا فدى، عَدْلاً. ومنه قول الله تعالى ذكره: أوْ عَدْلُ ذلكَ صِياماً وهو ما عادله من غير نوعه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها} قال: لو جاءت بملء الأرض ذهباً لم يُقبل منها.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: {وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها} فما يَعْدِلها، لو جاءت بملء الأرض ذهباً لتفتدى به ما قُبِل منها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها} قال: وأن تعدل: وإن تفتد يكون له الدنيا وما فيها يفتدي بها لا يؤخذْ منه عَدَلاً عن نفسه، لا يقبل منه.

وقد تأوّل ذلك بعض أهل العلم بالعربية بمعنى: وإن تَقْسِط كلّ قِسْط لا يُقبل منها وقال إنها التوبة في الحياة. وليس لما قال من ذلك معنى، وذلك أن كلّ تائب في الدنيا فإن الله تعالى يقبل توبته.

القول في تأويل قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسَلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ ألِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}.

يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين إن فدوا أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة كلّ فداء لم يؤخذ منهم، هم {الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا} يقول: أسلموا لعذاب الله، فرُهنوا به جزاء بما كسبوا في الدنيا من الآثام والأوزار. {لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ} والحميم: هو الحارّ في كلام العرب، وإنما هو محموم صُرف إلى فعيل، ومنه قيل للحمَّام: حمام، لإسخانه الجسم ومنه قول مرقش:

في كُلّ مُمْسًى لَهَا مِقْطِرَةٌفِيها كِباءٌ مُعَدٌّ وحَمِيمْ

يعني بذلك ماءً حارّاً ومنه قول أبي ذويب الهُذلي في صفة فرس:

تَأْبَى بِدِرْتِها إذَا ما اسْتُغْضِبَتْإلاَّ الحَمِيمَ فإنَّهُ يَتَبَضَّعُ

يعني بالحميم: عرق الفرس. وإنما جعل تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية شراباً من حميم، لأن الحارّ من الماء لا يُروِي من عطش، فأخبر أنهم إذا عطشوا في جهنم لم يغاثوا بماء يرويهم، ولكن بما يزيدون به عطشاً على ما بهم من العطش، {وعَذَابٌ ألِيمٌ} يقول: ولهم أيضاً مع الشراب الحميم من الله العذاب الأليم والهوان المقيم. {بِمَا كانُوا يَكْفُرُونَ} يقول: بما كان من كفرهم في الدنيا بالله وإنكارهم توحيده وعبادتهم معه آلهة دونه.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا} قال: يقال: أسلِموا.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا} قال: فضحوا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا} قال: أخذوا بما كسبوا.