خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ
١
مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
٢
لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ
٣
-الأنبياء

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى:{ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} قال عبد الله بن مسعود: الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول، وهنّ من تلادي؛ يريد من قديم ما كسب وحفظ من القرآن كالمال التّلاد. وروي أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبني جداراً، فمرّ به آخر في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } فنفض يده من البنيان، وقال: والله لا بنيت أبداً وقد اقترب الحساب. «اقترب» أي قرب الوقت الذي يحاسبون فيه على أعمالهم. «للناس» قال ابن عباس: المراد بالناس هاهنا المشركون بدليل قوله تعالى: {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} إلى قوله: {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}. وقيل: الناس عموم وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش؛ يدل على ذلك ما بعد من الآيات؛ ومن عَلِم اقتراب الساعة قصر أمله، وطابت نفسه بالتوبة، ولم يركن إلى الدنيا، فكأنّ ما كان لم يكن إذا ذهب، وكل آتٍ قريب، والموت لا محالة آتٍ؛ وموت كل إنسان قيام ساعته؛ والقيامة أيضاً قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى. وقال الضحاك: معنى {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} أي عذابهم يعني أهل مكة؛ لأنهم استبطأوا ما وُعِدوا به من العذاب تكذيباً، وكان قتلهم يوم بَدْر. النحاس: ولا يجوز في الكلام اقترب حسابهم للناس؛ لئلا يتقدّم مضمر على مظهر لا يجوز أن ينوي به التأخير. {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} ابتداء خبر. ويجوز النصب في غير القرآن على الحال. وفيه وجهان: أحدهما: «وهم فِي غفلةٍ معرِضون» يعني بالدنيا عن الآخرة. الثاني: عن التأهب للحساب وعما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه الواو عند سيبويه بمعنى «إذ» وهي التي يسميها النحويون واو الحال؛ كما قال الله تبارك وتعالى: { يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } [آل عمران: 154].

قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} «مُحْدَثٍ» نعت لـ«ـذكر». وأجاز الكسائي والفراء «مُحْدَثاً» بمعنى ما يأتيهم محدثاً؛ نصب على الحال. وأجاز الفراء أيضاً رفع «مُحْدَث» على النعت للذِّكر؛ لأنك لو حذفت «مِن» رفعت ذكراً؛ أي ما يأتيهم ذكر من ربهم مُحدَث؛ يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت؛ لا أن القرآن مخلوق. وقيل: الذكر ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم ويعظهم به. وقال: {مِّن رَّبِّهِمْ} لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالوحي، فوعظ النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره ذكر، وهو محدث؛ قال الله تعالى: { فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ } [الغاشية: 21]. ويقال: فلان في مجلس الذكر. وقيل: الذكر الرسول نفسه؛ قاله الحسين بن الفضل بدليل ما في سياق الآية { هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } [الأنبياء: 3] ولو أراد بالذكر القرآن لقال: هل هذا إلا أساطير الأوّلين؛ ودليل هذا التأويل قوله تعالى: { وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } [القلم: 51 ـ 52] يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وقال: { قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً } [الطلاق: 10 ـ 11]. {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، أو القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم أو من أمته. {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} الواو واو الحال يدل عليه {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} ومعنى «يَلْعَبُونَ» أي يلهون. وقيل: يشتغلون؛ فإن حُمِل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين: أحدهما: بلذاتهم. الثاني: بسماع ما يتلى عليهم. وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يتشاغلون به وجهين: أحدهما: بالدنيا لأنها لعب؛ كما قال الله تعالى: { إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } [محمد: 36]. الثاني: يتشاغلون بالقَدْح فيه، والاعتراض عليه. قال الحسن: كلما جدّد لهم الذكر استمروا على الجهل. وقيل: يستمعون القرآن مستهزئين.

قوله تعالى: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} أي ساهيةً قلوبهم، معرضةً عن ذكر الله، متشاغلةً عن التأمل والتفهم؛ من قول العرب: لَهَيْتُ عن ذكر الشيء إذا تركتَه وسلوتَ عنه أَلْهَى لهِيًّا ولِهْيَاناً. و«لاهيةً» نعت تقدّم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع المنعوت في جميع الإعراب، فإذا تقدّم النعت الاسم انتصب كقوله: { خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ } [القلم: 43] و { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا } [الإنسان: 14] و{لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} قال الشاعر:

لِعَزَّةَ مُوحِشاً طَلَلُيَلُوحُ كَأنَّه خَلَلُ

أراد: طلل موحش. وأجاز الكسائي والفراء «لاَهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ» بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية. وأجاز غيرهما الرفع على أن يكون خبراً بعد خبر وعلى إضمار مبتدأ. وقال الكسائي: ويجوز أن يكون المعنى؛ إلا استمعوه لاهية قلوبهم. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب، ثم بين من هم فقال: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي الذين أشركوا؛ فـ«ـالذين ظلموا» بدل من الواو في «أسروا» وهو عائد على الناس المتقدّم ذكرهم؛ ولا يوقف على هذا القول على «النجوى». قال المبرّد وهو كقولك: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله فبنو بدل من الواو في انطلقوا. وقيل: هو رفع على الذم، أي هم الذين ظلموا. وقيل: على حذف القول؛ التقدير: يقول الذين ظلموا وحذف القول؛ مثل { { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم } [الرعد: 23 ـ 24]. واختار هذ القول النحاس؛ قال: والدليل على صحة هذا الجواب أن بعده {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}. وقول رابع: يكون منصوباً بمعنى أعني الذين ظلموا. وأجاز الفراء أن يكون خفضاً بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم؛ ولا يوقف على هذا الوجه على «النجوى» ويوقف على الوجوه الثلاثة المتقدّمة قبله؛ فهذه خمسة أقوال. وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال: أكلوني البراغيث؛ وهو حسن؛ قال الله تعالى: { ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ } [المائدة: 71]. وقال الشاعر:

بك نال النِّضالُ دون المساعيفاهتديْنَ النِّبالُ للأغراض

وقال آخر:

ولكِنْ دِيافِيٌّ أبوه وأمُّهُبِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُهْ

وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير؛ مجازه: والذين ظلموا أسروا النجوى. أبو عبيدة: «أسروا» هنا من الأضداد؛ فيحتمل أن يكونوا أخفوا كلامهم، ويحتمل أن يكونوا أظهروه وأعلنوه.

قوله تعالى: {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي تناجوا بينهم وقالوا: هل هذا الذكر الذي هو الرسول، أو هل هذا الذي يدعوكم إلا بشر مثلكم، لا يتميز عنكم بشيء، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق كما تفعلون. وما علموا أن الله عز وجل بيّن أنه لا يجوز أن يرسل إليهم إلا بشراً ليتفهموا ويعلمهم. {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ} أي إن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر، فكيف تجيئون إليه وتتبعونه؟ فأطلع الله نبيه عليه السلام على ما تناجوا به. و«السحر» في اللغة كل مموّه لا حقيقة له ولا صحة. {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} قيل معناه «وأنتم تبصرون» أنه إنسان مثلكم مثل: «وأنتم تعقلون» لأن العقل البصر بالأشياء. وقيل: المعنى؛ أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر. وقيل: المعنى؛ أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق؛ ومعنى الكلام التوبيخ.