خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ
٧٨
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
٧٩
-الأنبياء

الجامع لاحكام القرآن

فيه ست وعشرون مسألة:

الأولى: قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ} أي واذكرهما إذ يحكمان، ولم يرد بقوله «إِذ يحكمان» الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول؛ فإن حَكَمين على حكم واحد لا يجوز. وإِنما حكَم كل واحد منهما على انفراده، وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله تعالى إياه. {فِي ٱلْحَرْثِ} اختلف فيه على قولين: فقيل: كان زرعاً؛ قاله قتادة. وقيل: كرماً نبتت عناقيده؛ قاله ابن مسعود وشريح. و«الحرث» يقال فيهما، وهو في الزرع أبعد من الاستعارة.

الثانية: قوله تعالى: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} أي رعت فيه ليلاً؛ والنفش الرعي بالليل. يقال: نفشت بالليل، وهَمَلت بالنهار، إذا رعت بلا راعٍ. وأنفشها صاحبها. وإبلٌ نُفَّاش. وفي حديث عبد الله بن عمرو: الحبة في الجنة مثل كرِش البعير يبيت نافِشاً؛ أي راعياً؛ حكاه الهروي. وقال ابن سيده: لا يقال الهَمَل في الغنم، وإنما هو في الإبل.

الثالثة: قوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} دليل على أن أقل الجمع اثنان. وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه؛ فلذلك قال «لحكمِهِم».

الرابعة: قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} أي فهمناه القضية والحكومة، فكنى عنها إذ سبق ما يدل عليها. وفضل حكم سليمان حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقى ملك كل واحد منهما على متاعه، وتبقى نفسه طيبة بذلك؛ وذلك أن داود عليه السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث. وقالت فرقة: بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم. قال ابن عطية: فيشبه على القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت. وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث والغلة؛ فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر فقال: بم قضى بينكما نبي الله داود؟ فقالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث. فقال لعل الحكم غير هذا انصرفا معي. فأتى أباه فقال: يا نبيّ الله إنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته الغنم في السنة المقبلة، رد كل واحد منهما ماله إلى صاحبه. فقال داود: وفقت يا بنيّ لا يقطع الله فهمك. وقضى بما قضى به سليمان؛ قال معناه ابن مسعود ومجاهد وغيرهما. قال الكلبي: قوّم داود الغنم والكرم الذي أفسدته الغنم فكانت القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم. وهكذا قال النحاس؛ قال: إنما قضى بالغنم لصاحب الحرث؛ لأن ثمنها كان قريباً منه. وأما في حكم سليمان فقد قيل: كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء أيضاً.

الخامسة: قوله تعالى: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} تأوّل قوم أن داود عليه السلام لم يخطىء في هذه النازلة، بل فيها أوتي الحكم والعلم. وحملوا قوله: «فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ» على أنه فضيلة له على داود وفضيلته راجعة إلى داود، والوالد تسره زيادة ولده عليه. وقالت فرقة: بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه النازلة، وإنما مدحه الله بأن له حكما وعلماً يرجع إليه في غير هذه النازلة. وأما في هذه فأصاب سليمان وأخطأ داود عليهما الصلاة والسلام، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم، لكن لا يقرّون عليه، وإن أقرّ عليه غيرهم. ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيباً فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيبا ففقد أخطأت أنت؛ فأجابه الوليد {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}. وقال قوم: كان داود وسليمان ـ عليهما السلام ـ نبيين يقضيان بما يوحى إليهما، فحكم داود بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، وعلى هذا {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} أي بطريق الوحي الناسخ لما أوحي إلى داود، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود؛ ولهذا قال: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}. هذا قول جماعة من العلماء ومنها ابن فورك. وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد وهي:

السادسة: واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء فمنعه قوم، وجوّزه المحققون؛ لأنه ليس فيه استحالة عقلية؛ لأنه دليل شرعي فلا إحالة أن يستدل به الأنبياء، كما لو قال له الربّ سبحانه وتعالى: إذا غلب على ظنك كذا فاقطع بأن ما غلب على ظنك هو حكمي فبلغه الأمة؛ فهذا غير مستحيل في العقل. فإن قيل: إنما يكون دليلاً إذا عدم النص وهم لا يعدمونه. قلنا: إذا لم ينزل الملك فقد عدم النص عندهم، وصاروا في البحث كغيرهم من المجتهدين عن معاني النصوص التي عندهم. والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الخطأ، وعن الغلط، وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليس كذلك. كما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم. وذهب أبو علي ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم في جواز الخطأ عليهم، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء أنه لم يكن بعده من يستدرك غلطه، ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد بُعِث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطه. وقد قيل: إنه على العموم في جميع الأنبياء، وأن نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم في تجويز الخطأ على سواء إلا أنهم لا يقرون على إمضائه، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء. "هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سألته امرأة عن العِدَّة فقال لها: اعتدّي حيث شئت ثم قال لها: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" . "وقال له رجل: أرأيت لو قُتِلت صبراً محتسباً أيحجزني عن الجنة شيء؟ فقال: لا ثم دعاه فقال: إلا الدَّين كذا أخبرني جبريل عليه السلام" .

السابعة: قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أنّ القضاة هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده. وقد اختلف الناس في المجتهدين في الفروع إذا اختلفوا؛ فقالت فرقة: الحق في طرف واحد عند الله، وقد نصب على ذلك أدلة، وحمل المجتهدين على البحث عنها، والنظر فيها، فمن صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الإطلاق، وله أجران أجر في الاجتهاد وأجر في الإصابة، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده مخطىء في أنه لم يصب العين فله أجر وهو غير معذور. وهذا سليمان قد صادف العين المطلوبة، وهي التي فهم. ورأت فرقة أن العالم المخطىء لا إثم عليه في خطئه وإن كان غير معذور. وقالت فرقة: الحق في طرف واحد ولم ينصب الله تعالى عليه دلائل (بل) وكل الأمر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه أصاب ومن أخطأ فهو معذور مأجور، ولم يتعبد بإصابة العين بل تعبدنا بالاجتهاد فقط. وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم: إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين، وكل مجتهد مصيب، المطلوب إنما هو الأفضل في ظنه، وكل مجتهد قد أداه نظره إلى الأفضل في ظنه؛ والدليل على هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرّر بعضهم خلاف بعض، ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون قول مخالفه. ومنه ردّ مالكرحمه الله للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس على «الموطأ»؛ فإذا قال عالم في أمر حلال فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله، وكذا في العكس. قالوا: وإن كان سليمان عليه السلام فهم القضية المثلى والتي هي أرجح فالأولى ليست بخطأ، وعلى هذا يحملون قوله عليه السلام: "إذا اجتهد العالم فأخطأ" أي فأخطأ الأفضل.

الثامنة: روى مسلم وغيره عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" هكذا لفظ الحديث في كتاب مسلم "إذا حكم فاجتهد" فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس؛ فإن الاجتهاد مقدّم على الحكم، فلا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع. وإنما معنى هذا الحديث: إذا أراد أن يحكم، كما قال: { فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ } [النحل: 98] فعند ذلك أراد أن يجتهد في النازلة. ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون: إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظراً عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدّم لإمكان أن يظهر له ثانياً خلاف ما ظهر له أوّلاً، اللهم إلا أن يكون ذاكراً لأركان اجتهاده، مائلاً إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في أمارة أخرى.

التاسعة: إنما يكون الأجر للحاكم المخطىء إذا كان عالماً بالاجتهاد والسنن والقياس، وقضاء من مضى؛ لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر. يدل على ذلك حديثه الآخر؛ رواه أبو داود: «القضاة ثلاثة» الحديث. قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على الخطأ، مما يؤيد هذا قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} الآية. قال الحسن: أثنى على سليمان ولم يذم داود.

العاشرة: ذكر أبو التمام المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين، وليس ذلك في أقاويل المختلفين، وبه قال أكثر الفقهاء. قال: وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكاً عن اختلاف الصحابة، فقال: مخطىء ومصيب، وليس الحق في جميع أقاويلهم. وهذا القول قيل: هو المشهور عن مالك وإليه ذهب محمد بن الحسين. واحتج من قال هذا بحديث عبد الله بن عمرو؛ قالوا: وهو نص على أن في المجتهدين وفي الحاكمين مخطئاً ومصيباً؛ قالوا: والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدّي إلى كون الشيء حلالاً حراماً، وواجباً ندباً. واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر. قال: "نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف من الأحزاب ألا لا يصلينّ أحدٌ العصر إلا في بني قُرَيظة" فتخوّف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قُرَيظة، وقال الآخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحداً من الفريقين؛ قالوا: فلو كان أحد الفريقين مخطئاً لعيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم. ويمكن أن يقال: لعله إنما سكت عن تعيين المخطئين لأنه غير آثم بل مأجور، فاستغنى عن تعيينه. والله أعلم. ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة، وهذه النبذة التي ذكرناها كافية في معنى الآية، والله الموفق للهداية.

الحادية عشرة: ويتعلق بالآية فصل آخر: وهو رجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاده إلى اجتهاد آخر أرجح من الأوّل؛ فإن داود عليه السلام فعل ذلك. وقد اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى؛ فقال عبد الملك ومُطَرِّف في «الواضحة»: ذلك له ما دام في ولايته؛ فأما إن كانت ولاية أخرى فليس له ذلك، وهو بمنزلة غيره من القضاة. وهذا هو ظاهر قول مالكرحمه الله في «المدونة». وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس له ذلك؛ وقاله ابن عبد الحكم. قالا: ويستأنف الحكم بما قوي عنده. قال سحنون: إلا أن يكون نسي الأقوى عنده في ذلك الوقت، أو وهم فحكم بغيره فله نقضه؛ وأما إن حكم بحكم هو الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوي عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل إلى نقض الأوّل؛ قاله سحنون في كتاب ابنه. وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأوّل، وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه.

قلت: رجوع القاضي عما حكم به إذا تبين له أن الحق في غيره ما دام في ولايته أولى. وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما؛ رواها الدارقطني، وقد ذكرناها في «الأعراف» ولم يفصل؛ وهي الحجة لظاهر قول مالك. ولم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى تجوّزا وبخلاف أهل العلم فهو مردود، وإن كان على وجه الاجتهاد؛ فأما أن يتعقب قاضٍ حكم قاضٍ آخر فلا يجوز ذلك له؛ لأن فيه مضرة عظمى من جهة نقض الأحكام، وتبديل الحلال بالحرام، وعدم ضبط قوانين الإسلام، ولم يتعرض أحد من العلماء لنقض ما رواه الآخر، وإنما كان يحكم بما ظهر له.

الثانية عشرة: قال بعض الناس: إن داود عليه السلام لم يكن أنفذ الحكم وظهر له ما قال غيره. وقال آخرون: لم يكن حكماً وإنما كانت فتيا.

قلت: وهكذا تؤوّل فيما رواه أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك؛ فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى؛ فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه؛ فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما؛ فقالت الصغرى: لا ـ يرحمكَ الله ـ هو ابنها؛ فقضى به للصغرى؛ قال أبو هريرة: إنْ سمعتُ بالسكين قط إلا يومئذٍ، ما كنا نقول إلا المُدْية؛ أخرجه مسلم. فأما القول بأن ذلك من داود فتيا فهو ضعيف؛ لأنه كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفتياه حكم. وأما القول الآخر فبعيد؛ لأنه تعالى قال: {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} فبين أن كل واحد منهما كان قد حكم. وكذا قوله في الحديث: فقضى به للكبرى؛ يدل على إنفاذ القضاء وإنجازه. ولقد أبعد من قال: إنه كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى من حيث هي كبرى؛ لأن الكبر والصغر طرد محض عند الدعاوى كالطول والقصر والسواد والبياض وذلك لا يوجب ترجيح أحد المتداعيين حتى يحكم له أو عليه لأجل ذلك. وهو مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع. والذي ينبغي أن يقال: إن داود عليه السلام إنما قضى به للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها. ولم يذكر في الحديث تعيينه إذ لم تدع حاجة إليه؛ فيمكن أن الولد كان بيدها، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البينة، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان. وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا الحديث. وهو الذي تشهد له قاعدة الدعاوى الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها. لا يقال: فإن كان داود قضى بسبب شرعي فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه؛ فالجواب: أن سليمان عليه السلام لم يتعرّض لحكم أبيه بالنقض، وإنما احتال حيلة لطيفة ظهر له بسببها صدق الصغرى؛ وهي أنه لما قال: هات السكين أشقه بينكما، قالت الصغرى: لا؛ فظهر له من قرينة الشفقة في الصغرى، وعدم ذلك في الكبرى، مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها. ولعله كان ممن سوّغ له أن يحكم بعلمه. وقد ترجم النسائي على هذا الحديث «حكم الحاكم بعلمه». وترجم له أيضاً «السعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يَفعله أَفْعلُ ليستبين الحق». وترجم له أيضاً «نقض الحاكم لا يَحكم به غيرُه ممن هو مثله أو أجلّ منه». ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عند ما رأت من سليمان الحزم والجد في ذلك، فقضى بالولد للصغرى؛ ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره، فإنه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأوّل، لكن من باب تبدّل الأحكام بحسب تبدّل الأسباب. والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء سوغ لهم الحكم بالاجتهاد؛ وقد ذكرناه. وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوّة الذكاء والفطنة، وممارسة أحوال الخلق؛ وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وفيه الحجة لمن يقول: إن الأم تُستلحَق؛ وليس مشهور مذهب مالك، وليس هذا موضع ذكره. وعلى الجملة فقضاء سليمان في هذه القصة تضمنها مدحه تعالى له بقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}.

الثالثة عشرة: قد تقدّم القول في الحرث والحكم في هذه الواقعة في شرعنا: أن على أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار، ثم الضمان في المثل بالمثليات، وبالقيمة في ذوات القيم. والأصل في هذه المسألة في شرعنا ما حكم به محمد صلى الله عليه وسلم في ناقة البراء بن عازب. رواه مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن مُحيّصة: أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالليل، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. هكذا رواه جميع الرواة مرسلاً. وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب، إلا ابن عيينة فإنه رواه عن الزهري عن سعيد وحرام بن سعد بن مُحيِّصة: أن ناقة؛ فذكر مثله بمعناه. ورواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن ناقة البراء دخلت حائط قوم؛ مثل حديث مالك سواء، إلا أنه لم يذكر حرام بن سعد بن محيصة ولا غيره. قال أبو عمر: لم يصنع ابن أبي ذئب شيئاً؛ إلا أنه أفسد إسناده. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتابع عبد الرزاق على ذلك وأنكروا عليه قوله عن أبيه. ورواه ابن جريج عن ابن شهاب قال: حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن ناقة دخلت في حائط قوم فأفسدت؛ فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي أمامة، ولم يذكر أن الناقة كانت للبراء. وجائز أن يكون الحديث عن ابن شهاب عن ابن مُحَيصة، وعن سعيد بن المسيّب، وعن أبي أمامة ـ والله أعلم ـ فحدَّث به عمن شاء منهم على ما حضره وكلهم ثقات. قال أبو عمر: وهذا الحديث وإن كان مرسلاً فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدَّث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث.

الرابعة عشرة: ذهب مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم، إذا أفسدت زرعاً في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء، وأدخل فسادها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "جُرح العجماء جُبَار" فقاس جميع أعمالها على جرحها.ويقال: إنه ما تقدم أبا حنيفة أحد بهذا القول، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء، وكونه ناسخاً لحديث البراء ومعارضاً له؛ فإن النسخ شروطه معدومة، والتعارض إنما يصح إذا لم يمكن استعمال أحدهما إلا بنفي الآخر، وحديث "العجماء جرحها جبار" عموم متفق عليه، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد: العجماء جرحها جبار نهاراً لا ليلاً وفي الزرع والحوائط والحرث، لم يكن هذا مستحيلاً من القول؛ فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض؟! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكور في الأصول.

الخامسة عشرة: إن قيل: ما الحكمة في تفريق الشارع بين الليل والنهار، وقد قال الليث بن سعد: يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار كل ما أفسدت، ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية؟ قلنا: الفرق بينهما واضح، وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال مواشيهم ترعى بالنهار، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزروع؛ لأنه وقت التصرف في المعاش، كما قال الله سبحانه وتعالى: { وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } [النبأ: 11] فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه وسكنه؛ كما قال الله تعالى: { مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } [القصص: 72] وقال: { وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً } [الأنعام: 96] ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا فرّط صاحب الماشية في ردها إلى منزله، أو فرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئاً فعليه ضمان ذلك، فجرى الحكم على الأوفق الأسمح، وكان ذلك أرفق بالفريقين، وأسهل على الطائفتين، وأحفظ للمالين، وقد وضح الصبح لذي عينين، ولكن لسليم الحاستين؛ وأما قول الليث: لا يضمن أكثر من قيمة الماشية، فقد قال أبو عمر: لا أعلم من أين قال هذا الليث بن سعد، إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني لا يفتك بأكثر من قيمته، ولا يلزم سيده في جنايته أكثر من قيمته، وهذا ضعيف الوجه؛ كذا قال في «التمهيد» وقال في «الاستذكار» فخالف الحديث في "العجماء جرحها جبار" وخالف ناقة البراء، وقد تقدّمه إلى ذلك طائفة من العلماء منهم عطاء. قال ابن جريج قلت لعطاء: الحرث تصيبه الماشية ليلاً أو نهاراً؟ قال: يضمن صاحبها ويغرم. قلت: كان عليه حظراً أو لم يكن؟ قال: نعم! يغرم. قلت: ما يغرم؟ قال: قيمة ما أكل حماره ودابته وماشيته. وقال معمر عن ابن شُبْرُمة: يُقوّم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهم. وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما: يضمن رب الماشية ليلاً أو نهاراً، من طرق لا تصح.

السادسة عشرة: قال مالك: ويقوم الزرع الذي أفسدت المواشي بالليل على الرجاء والخوف. قال: والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس، والمحظر عليها وغير المحظر سواء، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغاً ما بلغ، وإن كان أكثر من قيمتها. قال: وإذا انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئاً، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث؛ ذكره عنه ابن عبد الحكم. وقال ابن القاسم: ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربها، وإن كان أضعاف ثمنها؛ لأن الجناية من قبله إذ لم يربطها، وليست الماشية كالعبيد؛ حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم.

السابعة عشرة: ولا يستأنى بالزرع أن ينبت أو لا ينبت كما يفعل في سنّ الصغير. وقال عيسى عن ابن القاسم: قيمته لو حل بيعه. وقال أشهب وابن نافع في المجموعة عنه: وإن لم يبد صلاحه. ابن العربي: والأوّل أقوى لأنها صفته فتقوّم كما يقوم كل متلف على صفته.

الثامنة عشرة: لو لم يقض للمفسد له بشيء حتى نبت وانجبر فإن كان فيه قبل ذلك منفعة رعي أو شيء ضمن تلك المنفعة، وإن لم تكن فيه منفعة فلا ضمان. وقال أصبغ: يضمن؛ لأن التلف قد تحقق والجبر ليس من جهته فلا يعتد له به.

التاسعة عشرة: وقع في كتاب ابن سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير مُحظَرة، وبساتين كذلك، فيضمن أرباب النَّعم ما أفسدت من ليل أو نهار؛ كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد تعدّ؛ لأنها ولا بد تفسد. وهذا جنوح إلى قول الليث.

الموفية عشرين: قال أصبغ في المدينة: ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذوّاد؛ فركب العلماء على هذا أن البقعة لا تخلو أن تكون بقعة زرع، أو بقعة سرح، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ماشية تجتاح، وعلى أربابها حفظها، وما أفسدت فصاحبها ضامن ليلاً أو نهاراً؛ وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب الذي حَرْثه فيها حفظه، ولا شيء على أرباب المواشي.

الحادية والعشرون: المواشي على قسمين: ضواري وحَريسة وعليهما قسمها مالك. فالضواري هي المعتادة للزرع والثمار، فقال مالك: تُغرَّب وتباع في بلد لا زرع فيه؛ رواه ابن القاسم في الكتاب وغيره. قال ابن حبيب: وإن كره ذلك ربها، وكذلك قال مالك في الدابة التي ضريت في إفساد الزرع: تغرّب وتباع. وأما ما يستطاع الاحتراس منه فلا يؤمر صاحبه بإخراجه.

الثانية والعشرون: قال أصبغ: النحل والحمام والإوز والدجاج كالماشية، لا يمنع صاحبها من اتخاذها وإن (ضريت)، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم. قال ابن العربي: وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت إليها من أراد أن يتخذ ما ينتفع به مما لا يضره بغيره مُكِّن منه، وأما انتفاعه بما يتخذه بإضراره بأحد فلا سبيل إليه. قال عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار" وهذه الضواري عن ابن القاسم في المدينة لا ضمان على أربابها إلا بعد التقدّم. ابن العربي: وأرى الضمان عليهم قبل التقدّم إذا كانت ضواري.

الثالثة والعشرون: ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي أن شاة وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شُرَيح، فقال الشَّعبي: انظروه فإنه سيسألهم ليلاً وقعت فيه أو نهاراً؛ ففعل. ثم قال: إن كان بالليل ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} قال: والنَّفش بالليل والهَمَل بالنهار.

قلت: ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: "العجماء جرحها جبار" الحديث. قال ابن شهاب: والجبار الهدر، والعجماء البهيمة، قال علماؤنا: ظاهر قوله: "العجماء جرحها جبار" أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء، وهذا مجمع عليه. فلو كان معها قائد أو سائق أو راكب فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم المتلف؛ فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص وكان الحمل عمداً كان فيه القصاص ولا يختلف فيه؛ لأن الدابة كالآلة. وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة. وفي الأموال الغرامة في مال الجاني.

الرابعة والعشرون: واختلفوا فيمن أصابته برجلها أو ذنبها، فلم يضمّن مالك والليث والأوزاعي صاحبها، وضمّنه الشافعي وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمة. واختلفوا في الضارية فجمهورهم أنها كغيرها، ومالك وبعض أصحابه يضمنونه.

الخامسة والعشرون: روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرِّجل جبار" قال الدارقطني: لم يروه غير سفيان بن حسين ولم يتابع عليه، وخالفه الحفاظ عن الزهري منهم مالك وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل وليث بن سعد، وغيرهم كلهم رووه عن الزهري فقالوا: "العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار" ولم يذكروا الرِّجل وهو الصواب. وكذلك رواه أبو صالح السمان، وعبد الرحمن الأعرج، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة، ولم يذكروا فيه «والرِّجل جبار» وهو المحفوظ عن أبي هريرة.

السادسة والعشرون: قوله: «والبئر جُبار» قد روي موضعه «والنار جبار» قال الدارقطني: حدّثنا حمزة بن القاسم الهاشمي حدّثنا حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزاق: حديث أبي هريرة «والنار جبار» ليس بشيء، لم يكن في الكتاب، باطل ليس هو بصحيح. حدّثنا محمد بن مخلد حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن هانىء قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل اليمن يكتبون النار النير ويكتبون البير؛ يعني مثل ذلك. وإنما لقن عبد الرزاق «النار جبار». وقال الرمادي: قال عبد الرزاق قال معمر لا أراه إلا وَهَماً. قال أبو عمر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "النار جُبار" وقال يحيـى بن معين: أصله البئر ولكن معمراً صحّفه. قال أبو عمر: لم يأتِ ابن معين على قوله هذا بدليل، وليس هكذا ترد أحاديث الثقات. ذكر وكيع عن عبد العزيز بن حصين عن يحيـى بن يحيـى الغساني قال: أحرق رجل سافي قَرَاح له فخرجت شرارة من نار حتى أحرقت شيئاً لجاره. قال: فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ابن حصين فكتب إليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العجماء جبار" وأرى أن النار جبار. وقد روي "والسائمة جبار" بدل العجماء فهذا ما ورد في ألفاظ هذا الحديث ولكل معنى لفظ صحيح مذكور في شرح الحديث وكتب الفقه.

قوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} قال وهب: كان داود يمر بالجبال مسبّحاً والجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. وقيل: كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق؛ ولهذا قال: {وَسَخَّرْنَا} أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقيل: إن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة؛ دليله قوله تعالى: { يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } [سبأ: 10]. وقال قتادة: «يُسَبِّحْنَ» يصلين معه إذا صلى، والتسبيح الصلاة. وكل محتمل. وذلك فعل الله تعالى بها؛ ذلك لأن الجبال لا تعقل فتسبيحها دلالة على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين.