خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٦٨
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ
٦٩
وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٧٠
-القصص

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} هذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم للشفاعة؛ أي الاختيار إلى الله تعالى في الشّفعاء لا إلى المشركين. وقيل: هو جواب الوليد بن المغيرة حين قال: { لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف: 31] يعني نفسه زعم، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف. وقيل: هو جواب اليهود إذ قالوا لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به. قال ابن عباس: والمعنى؛ وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم من يشاء لطاعته. وقال يحيـى بن سلاّم: والمعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار من يشاء لنبوّته. وحكى النقاش: أن المعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، ويختار الأنصار لدينه.

قلت: وفي كتاب البزّار مرفوعاً صحيحاً عن جابر: "إن الله تعالى اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي من أصحابي أربعة ـ يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ـ فجعلهم أصحابي وفي أصحابي كلهم خير واختار أمّتي على سائر الأمم واختار لي من أمتي أربعة قرون" . وذكر سفيان بن عُييْنة عن عمرو بن دينار عن وهب بن منبّه عن أبيه في قوله عز وجل: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} قال: من النعم الضأن، ومن الطير الحمام. والوقف التام {وَيَخْتَارُ}. وقال عليّ بن سليمان: هذا وقف التمام ولا يجوز أن تكون {ما} في موضع نصب بـ{ـيَخْتَارُ} لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء. قال وفي هذا رد على القدرية. قال النحاس: التمام {وَيَخْتَارُ} أي ويختار الرسل. {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} أي ليس يرسل من اختاروه هم. قال أبو إسحاق: {وَيَخْتَارُ} هذا الوقف التام المختار، ويجوز أن تكون {ما} في موضع نصب بـ{ـيختار} ويكون المعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخِيرَة. قال القشيري: الصحيح الأوّل لإطباقهم (على) الوقف على قوله {وَيَخْتَارُ}. قال المهدوي: وهو أشبه بمذهب أهل السنة و{ما} من قوله: {مَا كَانَ لَهمُ الْخِيْرَةُ} نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة الله عز وجل. الزمخشري: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخَيَرةُ} بيان لقوله {وَيَخْتَار}؛ لأن معناه يختار ما يشاء؛ ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى؛ إن الخيرة لله تعالى في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها أي ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. وأجاز الزجاج وغيره أن تكون {ما} منصوبة بـ{ـيَخْتَارُ}. وأنكر الطبريّ أن تكون {ما} نافية؛ لئلا يكون المعنى إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، ولأنه لم يتقدّم كلام بنفي. قال المهدوي: ولا يلزم ذلك؛ لأن {ما} تنفي الحال والاستقبال كليس ولذلك عملت عملها؛ ولأن الآي كانت تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم على ما يسأل عنه، وعلى ما هم مصرون عليه من الأعمال وإن لم يكن ذلك في النص. وتقدير الآية عند الطبري: ويختار لولايته الخيرة من خلقه؛ لأن المشركين كانوا يختارون خيار أموالهم فيجعلونها لآلهتهم، فقال الله تبارك وتعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} للهداية من خلقه من سبقت له السعادة في علمه، كما اختار المشركون خيار أموالهم لآلهتهم، فـ{ـما} على هذا لمن يعقل وهي بمعنى الذي و{الْخِيَرَةُ} رفع بالابتداء و{لَهُمُ} الخبر والجملة خبر {كان}. وشبهه بقولك: كان زيد أبوه منطلق وفيه ضعف؛ إذ ليس في الكلام عائد يعود على اسم كان إلا أن يقدر فيه حذف فيجوز على بعد. وقد روي معنى ما قاله الطبري عن ابن عباس. قال الثعلبي: و{ما} نفي أي ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب كقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [الأحزاب: 36]. قال محمود الورّاق:

توكّل على الرحمن في كل حاجةٍأردتَ فإن الله يقضي ويقدِر
إذا ما يرِدْ ذو العرش أمراً بعبدهيصبْه وما للعبد ما يتخير
وقد يهلك الإنسانُ من وجهِ حِذْرهوينجو بحمد الله من حيث يحذر

وقال آخر:

العبدُ ذو ضَجَرٍ والربُّ ذو قَدَرٍوالدّهرُ ذو دُولٍ والرِّزْقُ مقسومُ
والخيرُ أجمعُ فيما اختار خالقُناوفي اختيار سواه اللَّومُ والشُّومُ

قال بعض العلماء لا ينبغي لأحد أن يقدُم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك؛ بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: { قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ } [الكافرون: 1] وفي الركعة الثانية { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } } [الإخلاص: 1]. واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} الآية، وفي الركعة الثانية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} وكلٌّ حسن. ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السلام، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلّمنا السورة من القرآن؛ يقول: إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدِر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال في عاجل أمري وآجله ـ فَاقْدُره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال في عاجل أمري وآجله ـ فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني بهقال: ويسمي حاجته" . وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمراً قال: اللهم خِرْ لي واختر لي" . وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى ما يسبق قلبك فإن الخير فيه" . قال العلماء: وينبغي له أن يفرّغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون مائلاً إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله. وإن عزم على سفر فيتوخى بسفره يوم الخميس أو يوم الاثنين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم نزه نفسه سبحانه بقوله الحق؛ فقال: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} أي تنزيهاً. {وَتَعَالَىٰ} أي تقدّس وتمجد {عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} يظهرون. وقرأ ابن محيصن وحميد: «تَكُنُّ» بفتح التاء وضم الكاف. وقد تقدم هذا في «النمل». تمدح سبحانه بأنه عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيء {وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تقدم معناه، وأنه المنفرد بالوحدانية، وأن جميع المحامد إنما تجب له، وأن لا حكم إلا له وإليه المصير.