خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا
١
فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً
٢
فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً
٣
إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ
٤
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ
٥
-الصافات

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً } هذه قراءة أكثر القرّاء. وقرأ حمزة بالإدغام فيهنّ. وهذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لما سمعها. النحاس: وهي بعيدة في العربية من ثلاث جهات: إحداهن أن التاء ليست من مخرج الصاد، ولا من مخرج الزاي، ولا من مخرج الذال، ولا من أخواتهن، وإنما أختاها الطاء والدال، وأخت الزاي الصاد والسين، وأخت الذال الظاء والثاء. والجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى. والجهة الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة؛ نحو دابة وشابة. ومجاز قراءة حمزة أن التاء قريبة المخرج من هذه الحروف. «وَالصَّافَّاتِ» قسم؛ الواو بدل من الباء. والمعنى برب الصَّافَّات و «الزَّاجِرَاتِ» عطف عليه. {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } جواب القسم. وأجاز الكسائي فتح إن في القسم. والمراد بـ «ـالصَّافَّاتِ» وما بعدها إلى قوله: {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً } الملائكة في قول ٱبن عباس وٱبن مسعود وعِكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. تُصَفّ في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة. وقيل: تصفّ أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وهذا كما تقوم العبيد بين أيدي ملوكهم صفوفاً. وقال الحسن: «صَفًّا» لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم. وقيل: هي الطير؛ دليله قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ } [الملك: 19]. والصف ترتيب الجمع على خط كالصفّ في الصلاة. «وَالصَّافَّاتِ» جمع الجمع؛ يقال: جماعة صافة ثم يجمع صافّات. وقيل: الصّافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفًّا في الصلاة أو في الجهاد؛ ذكره القشيري. «فَالزَّاجِرَاتِ» الملائكة في قول ٱبن عباس وٱبن مسعود ومسروق وغيرهم على ما ذكرناه. إما لأنها تزجر السحاب وتسوقه في قول السدّي. وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح. وقال قتادة: هي زواجر القرآن. {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً } الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى؛ قاله ٱبن مسعود وٱبن عباس والحسن ومجاهد وٱبن جُبير والسّدي. وقيل: المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع؛ لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع. وقال قتادة: المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه. وقيل: هي آيات القرآن وصفها بالتلاوة كما قال تعالى: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } [النمل: 76]. ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات؛ لأن بعض الحروف يتبع بعضاً؛ ذكره القشيري. وذكر الماوردي: أن المراد بالتَّاليات الأنبياء يتلون الذكر على أممهم. فإن قيل: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قيل له: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود؛ كقوله:

يَالَهْفَ زَيَّابَةَ للحارثِ الصــابِح فالغَانِم فالآيِبِ

كأنه قال: الذي صَبَّحَ فغَنِم فآب. وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، وٱعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله: رحم الله المحلِّقين فالمقصِّرين. فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات؛ قاله الزمخشري. «إِنَّ إِلَهٰـَكُمْ لَوَاحِدٌ» جواب القسم. قال مقاتل: وذلك أن الكفار بمكة قالوا ٱجعل الآلهة إلٰهاً واحداً، وكيف يسع هذا الخلق فرد إلٰه! فأقسم الله بهؤلاء تشريفاً. ونزلت الآية. قال ٱبن الأنباري: وهو وقف حسن، ثم تبتدىء {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} على معنى هو رب السموات. النحاس: ويجوز أن يكون «رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» خبراً بعد خبرٍ، ويجوز أن يكون بدلاً من «وَاحِدٌ».

قلت: وعلى هذين الوجهين لا يوقف على «لَوَاحدٌ». وحكى الأخفش: «رَبَّ السَّمَوَاتِ ـ وَرَبَّ الْمَشَارِقِ» بالنصب على النعت لاسم إن. بيّن سبحانه معنى وحدانيّته وألوهيته وكمال قدرته بأنه «رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» أي خالقهما ومالكهما {وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} أي مالك مطالع الشمس. ٱبن عباس: للشمس كل يوم مشرق ومغرب؛ وذلك أن الله تعالى خلق للشمس ثلثمائة وخمس وستين كوّة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع في كل يوم في كوّة منها، وتغيب في كوّة، لا تطلع في تلك الكوّة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. ولا تطلع إلا وهي كارهة فتقول: ربّ لا تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك. ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد، وٱبن الأنباري في كتاب الرد عن عكرمة؛ قال: قلت لابن عباس أرأيت ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصَّلْت "آمن شعرهُ وكفر قلبُه" قال: هو حق فما أنكرتم من ذلك؟ قلت: أنكرنا قوله:

والشمسُ تطلُعُ كلَّ آخِرِ ليلةٍحمراءَ يُصبحُ لوْنُها يتَورَّدُ
ليست بطالعةٍ لَهُم في رِسْلِهَاإلاَّ مُعَذَّبةً وَإلاَّ تُجْلَدُ

ما بالُ الشمس تُجْلَد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت شمس قط حتى ينخسها سبعون ألف مَلَك، فيقولون لها ٱطلعي ٱطلعي، فتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك فيستقلّ لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدّها عن الطلوع فتطلعُ بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها، فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما طلعت إلا بين قرني شيطان ولا غربت إلا بين قرني شيطان وما غربت قط إلا خَرّت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدّها عن السجود فتغرُب بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها" لفظ ٱبن الأنباري. وذكر عن عكرمة عن ٱبن عباس قال: صدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم أميّة بن أبي الصَّلْت في هذا الشعر:

زُحَلٌ وثَوْرٌ تحتَ رِجلِ يَمينِهِوالنّسر للأخرى وليثٌ مُرْصِدُ
والشمسُ تَطلعُ كلّ آخرِ ليلةٍحمراء يصبِحُ لونُها يَتَورَّدُ
ليست بطالعة لهم في رِسْلِهاإلاّ مُعذَّبةً وإلاّ تُجْلَدُ

قال عكرمة: فقلت لابن عباس: يا مولاي أتجلد الشمس؟ فقال: إنما ٱضطره الرويّ إلى الجلد لكنها تخاف العقاب. ودلّ بذكر المطالع على المغارب؛ فلهذا لم يذكر المغارب، وهو كقوله: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } [النحل: 81]. وخصّ المشارق بالذكر؛ لأن الشروق قبل الغروب. وقال في سورة «الرحمن»: { رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } [الرحمن: 17] أراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار على ما تقدّم في «يس» والله أعلم.