خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
٣٤
وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ
٣٥
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
٣٦
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ
٣٧
إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ
٣٨
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
٣٩
إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ
٤٠
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
٤١
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ
٤٢
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
٤٣
لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ
٤٤
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
٤٥
ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ
٤٦
-الحجر

انوار التنزيل واسرار التأويل

{قَالَ فَٱخرج مِنْهَا} من السماء أو الجنة أو زمر الملائكة. {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } مطرود من الخير والكرامة، فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان يرجم بالشهب، وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته.

{وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ } هذا الطرد والإِبعاد. {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} فإنه منتهى أمد اللعن، فإنه يناسب أيام التكليف ومنه زمان الجزاء وما في قوله: { فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } [الأعراف: 44] بمعنى آخر ينسى عنده هذه. وقيل إنما حد اللعن به لأنه أبعد غاية يضر بها الناس، أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن معه فيصير كالزائل.

{قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى} فأخرني، والفاء متعلقة بمحذوف دل عليه {فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أراد أن يجد فسحة في الإِغواء أو نجاة من الموت، إذ لا موت بعد وقت البعث فأجابه إلى الأول دون الثاني.

{قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ} {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } المسمى فيه أجلك عند الله، أو انقراض الناس كلهم وهو النفخة الأولى عند الجمهور، ويجوز أن يكون المراد بالأيام الثلاثة يوم القيامة، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات فعبر عنه أولاً بيوم الجزاء لما عرفته وثانياً بيوم البعث، إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف واليأس عن التضليل، وثالثاً بالمعلوم لوقوعه في الكلامين، ولا يلزم من ذلك أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث مع الخلائق في تضاعيفه، وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس لأن خطاب الله له على سبيل الإِهانة والإِذلال.

{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى} الباء للقسم وما مصدرية وجوابه. {لأُزَيّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ} والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور كقوله: { أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ } [الأعراف: 176] وفي انعقاد القسم بأفعال لله تعالى خلاف. وقيل للسببية والمعتزلة أَوَلُو الاغواء بالنسبة إلى الغي، أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم عليه السلام، أو بالإِضلال عن طريق الجنة واعتذروا عن إمهال الله له، وهو سبب لزيادة غيه وتسليط له على إغواء بني آدم بأن الله تعالى علم منه وممن تبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أمهل أو لم يمهل، وأن في إمهاله تعريضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب، وضعف ذلك لا يخفى على ذوي الألباب. {وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } ولأحملنهم أجمعين على الغواية.

{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } الذين أخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من الشوائب فلا يعمل فيهم كيدي. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالكسر في كل القرآن أي الذين أخلصوا نفوسهم لله تعالى.

{قَالَ هَذَا صِرٰطٌ عَلَىَّ } حقٌ علي أن أراعيه. {مُّسْتَقِيم} لا انحراف عنه، والإِشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه، أو الإِخلاص على معنى أنه طريق {عَلَىَّ } يؤدي إِلى الوصول إليَّ من غير اعوجاج وضلال. وقرىء {عَلَىٰ } من علو الشرف.

{إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } تصديق لإِبليس فيما استثناه وتغيير الوضع لتعظيم {ٱلْمُخْلَصِينَ }، ولأن المقصود بيان عصمتهم وانقطاع مخالب الشيطان عنهم، أو تكذيب له فيما أوهم أن له سلطاناً على من ليس بمخلص من عباده، فإن منتهى تزيينه التحريض والتدليس كما قال: { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } [ابراهيم: 22] وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً، وعلى الأول يدفع قول من شرط أن يكون المستثني أقل من الباقي لإِفضائه إلى تناقض الاستثناءين.

{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ } لموعد الغاوين أو المتبعين. {أَجْمَعِينَ} تأكيد للضمير أو حال والعامل فيها الموعد إن جعلته مصدراً على تقدير مضاف، ومعنى الإضافة إن جعلته اسم مكان فإنه لا يعمل.

{لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } يدخلون منها لكثرتهم، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة وهي: جهنم ثم لظى، ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، ولعل تخصيص العدد لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات ومتابعة القوة الشهوية والغضبية، أو لأن أهلها سبع فرق. {لِكُلّ بَابٍ مِّنْهُمْ } من الأتباع. {جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} أفرز له، فأعلاها للموحدين العصاة، والثاني لليهود والثالث للنصارى والرابع للصابئين والخامس للمجوس والسادس للمشركين والسابع للمنافقين، وقرأ أبو بكر {جُزْء } بالتثقيل. وقرىء {جز} على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الزاي، ثم الوقف عليه بالتشديد ثم إجراء الوصل مجرى الوقف، ومنهم حال منه أو من المستكن في الظرف لا في {مَّقْسُومٌ} لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفها.

{إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ } من أتباعه في الكفر والفواحش فإن غيرها مكفرة. {فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } لكل واحد جنة وعين أو لكل عدة منهما كقوله تعالى: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } [الرحمن: 46] ثم قوله: { وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } [الرحمن: 62] وقوله: { مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ } [محمد: 15] الآية، وقرأ نافع وحفص وأبو عمرو وهشام {وَعُيُونٍ } بضم العين حيث وقع والباقون بكسر العين. {ٱدْخُلُوهَا } على إرادة القول، وقرىء بقطع الهمزة وكسر الخاء على أنه ماض فلا يكسر التنوين. {بِسَلامٍ } سالمين أو مسلماً عليكم. {ءامِنِينَ } من الآفة والزوال.