خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً
١٢
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
١٣
وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً
١٤
هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً
١٥
وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً
١٦
وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً
١٧
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
١٨
وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً
١٩
إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً
٢٠
-الكهف

انوار التنزيل واسرار التأويل

{ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ } أيقظناهم. {لِنَعْلَمَ} ليتعلق علمنا تعلقاً حالياً مطابقاً لتعلقه أولاً تعلقاً استقبالياً. {أَيُّ الحِزْبَيْنِ } المختلفين منهم أو من غيرهم في مدة لبثهم. {أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا } ضبط أمد الزمان لبثهم وما في أي من معنى الاستفهام علق عنه لنعلم، فهو مبتدأ و {أَحْصَىٰ } خبره. وهو فعل ماضٍ و {أَمَدًا } مفعول له و {لِمَا لَبِثُواْ } حال منه أو مفعول له، وقيل إنه المفعول واللام مزيدة وما موصولة و {أَمَدًا } تمييز، وقيل {أَحْصَىٰ } اسم تفضيل من الإِحصاء بحذف الزوائد كقولهم: هو أحصى للمال وأفلس من ابن المذلق، و {أَمَدًا } نصب بفعل دل عليه {أَحْصَىٰ } كقوله:

وَأضـرب مِـنَّا بِالسُّيُـوفِ القَوَانِـسَا

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقّ } بالصدق.{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ } شبان جمع فتى كصبي وصبية. {ءَامَنُواْ بِرَبّهِمْ وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى} بالتثبيت.

{وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} وقويناها بالصبر على هجر الوطن والأهل والمال، والجراءة على إظهار الحق والرد على دقيانوس الجبار. {إِذْ قَامُواْ } بين يديه. {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } والله لقد قلنا قولاً ذا شطط أي ذا بعد عن الحق مفرط في الظلم.

{هَـؤُلاء } مبتدأ. {قَوْمُنَا } عطف بيان. {ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } خبره، وهو إخبار في معنى إنكار. {لَّوْلاَ يَأْتُونَ } هلا يأتون. {عَلَيْهِمْ } على عبادتهم. {بِسُلْطَـٰنٍ بَيّنٍ } ببرهان ظاهر فإن الدين لا يؤخذ إلا به، وفيه دليل على أن ما لا دليل عليه من الديانات مردود وأن التقليد فيه غير جائز. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } بنسبة الشريك إليه.

{وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ } خطاب بعضهم لبعض. {وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ } عطف على الضمير المنصوب، أي وإذا اعتزلتم القوم ومعبوديهم إلا الله، فإنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام كسائر المشركين. ويجوز أن تكون {مَا } مصدرية على تقدير وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلا عبادة الله، وأن تكون نافية على أنه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترض بين {إِذْ } وجوابه لتحقيق اعتزالهم.{فَأْوُواْ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم } يبسط الرزق لكم ويوسع عليكم. {مّن رَّحْمَتِهِ } في الدارين. {وَيُهَيّىء لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا } ما ترتفقون به أي تنتفعون، وجزمهم بذلك لنصوع يقينهم وقوة وثوقهم بفضل الله تعالى، وقرأ نافع وابن عامر {مّرْفَقًا } بفتح الميم وكسر الفاء وهو مصدر جاء شاذاً كالمرجع والمحيض فإن قياسه الفتح.

{وَتَرَى ٱلشَّمْسَ } لو رأيتهم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد. {إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ } تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم، لأن الكهف كان جنوبياً، أو لأن الله تعالى زورها عنهم. وأصله تتزاور فأدغمت التاء في الزاي، وقرأ الكوفيون بحذفها وابن عامر ويعقوب «تزور» كتحمر، وقرىء «تزوار» كتحمار وكلها من الزور بمعنى الميل. {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ } جهة اليمين وحقيقتها الجهة ذات اسم اليمين. {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ } تقطعهم وتصرم عنهم. {ذَاتَ ٱلشّمَالِ } يعني يمين الكهف وشماله لقوله: {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ } أي وهم في متسع من الكهف، يعني في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حر الشمس، وذلك لأن باب الكهف في مقابلة بنات نعش، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه، والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأبيض وهو الذي يلي المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبيه، ويحلل عفونته ويعدل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلي ثيابهم. {ذٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ } أي شأنهم وإيواؤهم إلى كهف شأنه كذلك، أو إخبارك قصتهم، أو ازورار الشمس عنهم وقرضها طالعة وغاربة من آيات الله. {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ } بالتوفيق. {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ } الذي أصاب الفلاح، والمراد به إما الثناء عليهم أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة ولكن المنتفع بها من وفقه الله للتأمل فيها والاستبصار بها. {وَمَن يُضْلِلِ } ومن يخذله. {فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا } من يليه ويرشده:

{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا } لانفتاح عيونهم أو لكثرة تقلبهم. {وَهُمْ رُقُودٌ } نيام. {وَنُقَلّبُهُمْ } في رقدتهم. {ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشّمَالِ } كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم على طول الزمان. وقرىء «ويقلبهم» بالياء والضمير لله تعالى، و «تَقَلُبَهُمْ» على المصدر منصوباً بفعل يدل عليه تحسبهم أي وترى تقلبهم. {وَكَلْبُهُمْ } هو كلب مروا به فتبعهم فطردوه فأنطقه الله تعالى فقال: أنا أحب أحباء الله فناموا وأنا أحرسكم. أو كلب راع مروا به فتبعهم وتبعه الكلب، ويؤيده قراءة من قرأ: و «كالبهم» أي وصاحب كلبهم. {بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ } حكاية حال ماضية ولذلك أعمل اسم الفاعل. {بِٱلوَصِيدِ} بفناء الكهف، وقيل الوصيد الباب، وقيل العتبة. {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ } فنظرت إليهم، وقرىء {لَو ٱطَّلَعْتَ} بضم الواو. {لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا } لهربت منهم، و {فِرَاراً } يحتمل المصدر لأنه نوع من التولية والعلة والحال. {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا } خوفاً يملأ صدرك بما ألبسهم الله من الهيبة أو لعظم أجرامهم وانفتاح عيونهم. وقيل لوحشة مكانهم. وعن معاوية رضي الله عنه أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال: لو كشفت لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس لك ذلك قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} فلم يسمع وبعث ناساً فلما دخلوا جاءت ريح فأحرقتهم. وقرأ الحجازيان {لَمُلِئْتَ} بالتشديد للمبالغة وابن عامر والكسائي ويعقوب {رُعْبًا} بالتثقيل.

{وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ } وكما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا. {لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ } ليسأل بعضهم بعضاً فتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيزدادوا يقيناً على كمال قدرة الله تعالى، ويستبصروا به أمر البعث ويشكروا ما أنعم الله به عليهم. {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} بناء على غالب ظنهم لأن النائم لا يحصي مدة نومه ولذلك أحالوا العلم إلى الله تعالى. {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} ويجوز أن يكون ذلك قول بعضهم وهذا إنكار الآخرين عليهم. وقيل إنهم دخلوا الكهف غدوة وانتبهوا ظهيرة وظنوا أنهم في يومهم أو اليوم الذي بعده قالوا ذلك، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا هذا ثم لما علموا أن الأمر ملتبس لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمهم وقالوا: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ } والورق الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة، وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وحمزة وروح عن يعقوب بالتخفيف. وقرىء بالتثقيل وإدغام القاف في الكاف وبالتخفيف مكسور الواو مدغماً وغير مدغم، ورد المدغم لالتقاء الساكنين على غير حده، وحملهم له دليل على أن التزود رأي المتوكلين والمدينة طرسوس. {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا } أي أهلها. {أَزْكَىٰ طَعَامًا } أحل وأطيب أو أكثر وأرخص. {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} وليتكلف اللطف في المعاملة حتى لا يغبن، أو في التخفي حتى لا يعرف. {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} ولا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور.

{إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} أي يطلعوا عليكم أو يظفروا بكم، والضمير للأهل المقدر في {أَيُّهَا }.{يَرْجُمُوكُمْ} يقتلوكم بالرجم. {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ} أو يصيروكم إليها كرهاً من العود بمعنى الصيرورة. وقيل كانوا أولاً على دينهم فآمنوا.{وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا} إن دخلتم في ملتهم.