خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي
٢٥
وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي
٢٦
وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي
٢٧
يَفْقَهُواْ قَوْلِي
٢٨
وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي
٢٩
هَارُونَ أَخِي
٣٠
ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
٣١
وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي
٣٢
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً
٣٣
وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً
٣٤
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً
٣٥
قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ
٣٦
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ
٣٧
إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ
٣٨
أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ
٣٩
إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ
٤٠
-طه

انوار التنزيل واسرار التأويل

{قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى} لما أمره الله بخطب عظيم وأمر جسيم سأله أن يشرح صدره ويفسح قلبه لتحمل أعبائه والصبر على مشاقه، والتلقي لما ينزل عليه ويسهل الأمر له بإحداث الأسباب ورفع الموانع، وفائدة لي إبهام المشروح والميسر أولاً، ثم رفعه بذكر الصدر والأمر تأكيداً ومبالغة.

{وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُواْ قَوْلِي} فإنما يحسن التبليغ من البليغ وكان في لسانه رتة من جمرة أدخلها فاه، وذلك أن فرعون حمله يوماً فأخذ بلحيته ونتفها، فغضب وأمر بقتله فقالت آسية: إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة ووضعها في فيه. ولعل تبييض يده كان لذلك. وقيل احترقت يده فاجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ، ثم لما دعاه قال إلى أي رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه. واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله { قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } [طه: 36] ومن لم يقل احتج بقوله { هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً } [القصص: 34] وقوله { وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } [الزخرف: 52] وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه مطلقاً بل عقدة تمنع الإِفهام ولذلك نكرها وجعل يفقهوا جواب الأمر، ومن لساني يحتمل أن يكون صفة عقدة وأن يكون صلة احلل.

{وَٱجْعَل لِّّى وَزِيراً مِّنْ أَهْلِى هَـٰرُونَ أَخِى} يعينني على ما كلفتني به، واشتقاق الوزير إما من الوزير لأنه يحمل الثقل عن أميره، أو من الوزر وهو الملجأ لأن الأمير يعتصم برأيه ويلتجىء إليه في أموره، ومنه الموازرة وقيل أصله أزير من الأزر بمعنى القوة، فعيل بمعنى مفاعل كالعشير والجليس قلبت همزته واواً كقلبها في موازر. ومفعولاً اجعل وزيراً، و {هَـٰرُونَ} قدم ثانيهما للعناية به و {لِى } صلة أو حال أو {لّى وَزِيراً } و {هَـٰرُونَ } عطف بيان للوزير، أو {وَزِيراً مّنْ أَهْلِى } و {لِى } تبيين كقوله {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ }. و {أَخِى } على الوجوه بدل من {هَـٰرُونَ } أو مبتدأ خبره.

{ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى} على لفظ الأمر وقرأهما ابن عامر بلفظ الخبر على أنهما جواب الأمر.

{كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً} فإن التعاون يهيج الرغبات ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده.

{إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } عالماً بأحوالنا وأن التعاون مما يصلحنا، وأن هرون نعم المعين لي فيما أمرتني به.

{قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } أي مسؤولك، فعل بمعنى مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول.

{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ } أي أنعمنا عليك في وقت آخر.

{إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ} بإلهام أو في منام أو على لسان نبي في وقتها أو ملك ـ لا على وجه النبوة ـ كما أوحي إلى مريم. {مَا يُوحَىٰ } ما لا يعلم إلا بالوحي، أو مما ينبغي أن يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به.

{أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ } بأن اقذفيه، أو أي اقذفيه لأن الوحي بمعنى القول. {فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ} والقذف يقال للإِلقاء وللوضع كقوله تعالى: { وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } [الأحزاب: 26] وكذلك الرمي كقوله:

غُلاَمٌ رَمَاهُ الله بِالحُسْنِ يَافِعاً

{فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ } لما كان إلقاء البحر إياه إلى الساحل أمراً واجب الحصول لتعلق الإِرادة به، وجعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمره بذلك وأخرج الجواب مخرج الأمر، والأولى أن تجعل الضمائر كلها لموسى مراعاة للنظم، فالمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل وإن كان التابوت بالذات فموسى بالعرض. {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ} جواب {فَلْيُلْقِهِ } وتكرير {عَدُوٌّ } للمبالغة، أو لأن الأول باعتبار الواقع والثاني باعتبار المتوقع. قيل إنها جعلت في التابوت قطناً ووضعته فيه ثم قبرته وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر فدفعه الماء إليه فأداه إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالساً على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه حباً شديداً كما قال سبحانه وتعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى} أي محبة كائنة مني قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك فلذلك أحبك فرعون، ويجوز أن يتعلق {مِنّي} بـ {ألقيت} أي أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وظاهر اللفظ أن اليم ألقاه بساحله وهو شاطئه لأن الماء يسحله فالتقط منه، لكن لا يبعد أن يؤول الساحل بجنب فوهة نهره. {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِى} لتربى ويحسن إليك وأنا راعيك وراقبك، والعطف على علة مضمرة مثل ليتعطف عليك، أو على الجملة السابقة بإضمار فعل معلل مثل فعلت ذلك. وقرىء {وَلِتُصْنَعْ} بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر {وَلِتُصْنَعَ} بالنصب وفتح التاء أي وليكن عملك على عين مني لئلا تخالف به عن أمري.

{إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ} ظرف لـ {ألقيت} أو {لتصنع} أو بدل من {إِذْ أَوْحَيْنَا} على أن المراد بها وقت متسع. {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} وذلك لأنه كان لا يقبل ثدي المراضع، فجاءت أخته مريم متفحصة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها فقالت {هَلْ أَدُلُّكُمْ } فجاءت بأمه فقبل ثديها. {فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمِّكَ} وفاء بقولنا { إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ } [القصص: 7] {كَى تَقَرَّ عَيْنُها } بلقائك. {وَلاَ تَحْزَنْ } هي بفراقك أو أنت على فراقها وفقد إشفاقها. {وَقَتَلْتَ نَفْساً} نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإِسرائيلي. {فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} غم قتله خوفاً من عقاب الله تعالى واقتصاص فرعون بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى مدين. {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً} وابتليناك ابتلاء، أو أنواعاً من الابتلاء على أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بالتاء كحجوز وبدور في حجزة وبدرة، فخلصناك مرة بعد أخرى وهو إجمال لما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقة الألاّف، والمشي راجلاً على حذر وفقد الزاد وأجر نفسه إلى غير ذلك أوله ولما سبق ذكره. {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ} لبثت فيهم عشر سنين قضاء لأوفى الأجلين، ومدين على ثمان مراحل من مصر. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ} قدرته لأن أكلمك وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر، أو على مقدار من السن يوحى فيه إلى الأنبياء. {يَا مُوسَىٰ} كرره عقيب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك.