خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ
٩٧
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ
٩٨
لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ
٩٩
لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ
١٠٠
إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
١٠١
لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ
١٠٢
لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
١٠٣
يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ
١٠٤
-الأنبياء

انوار التنزيل واسرار التأويل

{وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} وهو القيامة. {فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جواب الشرط و «إذا» للمفاجأة تسد مسد الفاء الجزائية كقوله تعالى: { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } [الروم: 36] فإذا جاءت الفاء معها تظاهرتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، والضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار. {يَا وَيْلَنَا} مقدر بالقول واقع موقع الحال من الموصول. {قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا } لم نعلم أنه حق. {بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } لأنفسنا بالإِخلال بالنظر وعدم الاعتداد بالنذر.

{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } يحتمل الأوثان وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام لما تلا الآية على المشركين قال له ابن الزبعري: قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة، فقال صلى الله عليه وسلم: "بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك" فأنزل الله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } [الأنبياء: 101] الآية. وعلى هذا يعم الخطاب ويكون {مَا} مؤولاً بـ {مِنْ} أو بما يعمه، ويدل عليه ما روي أن ابن الزبعري قال: هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله فقال صلى الله عليه وسلم "بل لكل من عبد من دون الله" ويكون قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ} بياناً للتجوز أو للتخصيص فأخر عن الخطاب. {حَصَبُ جَهَنَّمَ } ما يرمي به إليها وتهيج به من حصبه يحصبه إذا رماه بالحصباء وقرىء بسكون الصاد وصفاً بالمصدر. {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } استئناف أو بدل من {حَصَبُ جهنم} واللام معوضة من على للاختصاص والدلالة على أن ورودهم لأجلها.

{لَوْ كَانَ هَـؤُلاءِ ءََالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} لأن المؤاخذ بالعذاب لا يكون إلهاً. {وَكُلٌّ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} لا خلاص لهم عنها.

{لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ } أنين وتنفس شديد وهو من إضافة فعل البعض إلى الكل للتغلب إن أريد {مَا تَعْبُدُونَ} الأصنام. {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} من الهول وشدة العذاب. وقيل {لاَ يَسْمَعُونَ} ما يسرهم.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} أي الخصلة الحسنى وهي السعادة أو التوفيق بالطاعة أو البشرى بالجنة. {أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } لأنهم يرفعون إلى أعلى عليين. روي أن علياً كرم الله وجهه خطب وقرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن الجراح، ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه ويقول:

{لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} وهو بدل من {مُبْعَدُونَ} أو حال من ضميره سيق للمبالغة في إبعادهم عنها، والحسيس صوت يحس به. {وَهُمْ فِيمَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ} دائمون في غاية التنعم وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به.

{لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} النفخة الأخيرة لقوله تعالى: { وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } [النمل: 87] أو الانصراف إلى النار أو حين يطبق على النار أو يذبح الموت. {وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ} تستقبلهم مهنئين لهم. {هَـٰذَا يَوْمُكُم} يوم ثوابكم وهو مقدر بالقول. {ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} في الدنيا.

{يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاءَ} مقدر باذكر أو ظرف لـ {لاَ يَحْزُنُهُمُ}، أو {تتلقاهم} أو حال مقدرة من العائد المحذوف من {تُوعَدُونَ}، والمراد بالطي ضد النشر أو المحو من قولك اطو عني هذا الحديث، وذلك لأنها نشرت مظلة لبني آدم فإذا انتقلوا قوضت عنهم، وقرىء بالياء والبناء للمفعول. {كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكِتَابِ} طياً كطي الطومار لأجل الكتابة أو لما يكتب أو كتب فيه، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص على الجمع أي للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه. وقيل {ٱلسّجِلّ} ملك يطوي كتب الأعمال إذا رفعت إليه أو كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرىء {ٱلسّجِلّ } كالدلو و {ٱلسّجِلّ } كالعتل وهما لغتان فيه. {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } أي نعيد ما خلقناه مبتدأ إعادة مثل بدئنا إياه في كونهما إيجاداً عن العدم، أو جمعاً بين الأجزاء المتبددة والمقصود بيان صحة الإِعادة بالقياس على الإِبداء لشمول الإِمكان الذاتي المصحح للمقدورية. وتناول القدرة القديمة لهما على السواء، و «ما» كافة أو مصدرية وأول مفعول لـ {بَدَأْنَا } أو لفعل يفسره {نُّعِيدُهُ } أو موصولة والكاف متعلقة بمحذوف يفسره {نُّعِيدُهُ } أي نعيد مثل الذي بدأنا وأول خلق ظرف لـ {بَدَأْنَا } أو حال من ضمير الموصول المحذوف. {وَعْداً } مقدر بفعله تأكيداً لـ {نُّعِيدُهُ } أو منتصب به لأنه عدة بالإِعادة. {عَلَيْنَا } أي علينا إنجازه. {إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ } ذلك لا محالة.