خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
٧٠
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ
٧١
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ
٧٢
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٧٣
وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ
٧٤
وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
٧٥
وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ
٧٦
حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
٧٧
-المؤمنون

انوار التنزيل واسرار التأويل

{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } فلا يبالون بقوله وكانوا يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم أرجحهم عقلاً وأدقهم نظراً. {بَلْ جَاءهُمْ بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ} لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم فلذلك أنكروه، وإنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الإِيمان استنكافاً من توبيخ قومه أو لقلة فطنته وعدم فكرته لا كراهة للحق.

{وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ } بأن كان في الواقع آلهة شتى. {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} كما سبق تقريره في قوله تعالى: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } [الأنبياء: 22] وقيل لو اتبع الحق أهواءهم وانقلب باطلاً لذهب ما قام به العالم فلم يبق، أو لو اتبع الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أهواءهم وانقلب شركاً لجاء الله بالقيامة وأهلك العالم من فرط غضبه، أو لو اتبع الله أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك والمعاصي لخرج عن الألوهية ولم يقدر أن يمسك السموات والأرض وهو على أصل المعتزلة. {بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِذِكْرِهِمْ} بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أو صيتهم، أو الذكر الذي تمنوه بقولهم {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلأَوَّلِينَ} وقرىء «بذكراهم». {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} لا يلتفتون إليه.

{أَمْ تَسْـئَلُهُمْ } قيل إنه قسيم قوله {أَم بِهِ جِنَّةٌ}. {خَرْجاً} أجراً على أداء الرسالة. {فَخَرَاجُ رَبّكَ} رزقه في الدنيا أو ثوابه في العقبى. {خَيْرٌ} لسعته ودوامه ففيه مندوحة لك عن عطائهم والخرج بإزاء الدخل يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك، والخراج غالب في الضريبة على الأرض ففيه إشعار بالكثرة واللزوم فيكون أبلغ ولذلك عبر به عن عطاء الله إياه، وقرأ ابن عامر «خرجا فخرج» وحمزة والكسائي «خراجاً فخراج» للمزاوجة. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرزِقِينَ } تقرير لخيرية خراجه تعالى.

{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تشهد العقول السليمة على استقامته لا عوج فيه يوجب اتهامهم له، واعلم أنه سبحانه ألزمهم الحجة وأزاح العلة في هذه الآيات بأن حصر أقسام ما يؤدي إلى الإِنكار والاتهام وبين انتفاءها ما عدا كراهة الحق وقلة الفطنة.

{وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ عَنِ ٱلصّرٰطِ} عن الصراط السوي. {لَنَـٰكِبُونَ} لعادلون عنه فإن خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه.

{وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرٍّ} يعني القحط. {لَّلَجُّواْ } لثبتوا واللجاج التمادي في الشيء. {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} إفراطهم في الكفر والاستكبار عن الحق وعداوة الرسول والمؤمنين. {يَعْمَهُونَ} عن الهدى، روي أنهم قحطوا حتى أكلوا العلهز فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قال: بلى فقال: قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت.

{وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ} يعني القتل يوم بدر. {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ } بل أقاموا على عتوهم واستكبارهم، واستكان استفعل من الكون لأن المفتقر انتقل من كون إلى كون أو افتعل من السكون أشبعت فتحته. {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } وليس من عادتهم التضرع وهو استشهاد على ما قبله.

{حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} يعني الجوع فإنه أشد من القتل والأسر. {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } متحيرون آيسون من كل خير حتى جاءك أعتاهم يستعطفك.