خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ
١٥٥
وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٥٦
فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ
١٥٧
فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٥٨
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٥٩
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٦٠
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ
١٦١
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٦٢
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٦٣
وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٦٤
أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ
١٦٥
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ
١٦٦
قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ
١٦٧
قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ
١٦٨
رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ
١٦٩
فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ
١٧٠
إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ
١٧١
ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ
١٧٢
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ
١٧٣
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٧٤
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٧٥
كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٧٦
إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ
١٧٧
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٧٨
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٧٩
وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٨٠
أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ
١٨١
وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ
١٨٢
وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ
١٨٣
وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ
١٨٤
قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ
١٨٥
وَمَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ
١٨٦
فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
١٨٧
قَالَ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٨٨
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٨٩
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٩٠
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٩١
وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٩٢
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ
١٩٣
عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ
١٩٤
-الشعراء

انوار التنزيل واسرار التأويل

{قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ} أي بعدما أخرجها الله من الصخرة بدعائه كما اقترحوها. {لَّهَا شِرْبٌ } نصيب من الماء كالسقي والقيت للحظ من السقي والقوت وقرىء بالضم. {وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } فاقتصروا على شربكم ولا تزاحموها في شربها.

{وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } كضرب وعقر. {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } عظم اليوم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب.

{فَعَقَرُوهَا } أسند العقر إلى كلهم لأن عاقرها إنما عقرها برضاهم ولذلك أخذوا جميعاً. {فَأَصْبَحُواْ نَـٰدِمِينَ } على عقرها خوفاً من حلول العذاب لا توبة، أو عند معاينة العذاب ولذلك لم ينفعهم.

{فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ } أي العذاب الموعود. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} في نفي الإِيمان عن أكثرهم في هذا المعرض إيماء بأنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وإن قريشاً إنما عصموا من مثله ببركة من آمن منهم.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}.

{وَمَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أتأتون من بين من عداكم من العالمين الذكران لا يشارككم فيه غيركم، أو أتأتون الذكران من أولاد آدم مع كثرتهم وغلبة الإِناث فيهم كأنهن قد أعوزنكم، فالمراد بـ {ٱلْعَـٰلَمِينَ} على الأول كل من ينكح وعلى الثاني الناس.

{وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ} لأجل استمتاعكم. {رَبُّكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُمْ } للبيان إن أريد به جنس الإناث، أو للتبعيض إن أريد به العضو المباح منهن فيكون تعريضاً بأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم أيضاً. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } متجاوزون عن حد الشهوة حيث زادوا على سائر الناس بل الحيوانات، أو مفرطون في المعاصي وهذا من جملة ذاك، أو أحقاء بأن توصفوا بالعدوان لارتكابكم هذه الجريمة.

{قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ} عما تدعيه أو عن نهينا وتقبيح أمرنا. {لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ } من المنفيين من بين أظهرنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على عنف وسوء حال.

{قَالَ إِنّي لِعَمَلِكُمْ مّنَ ٱلْقَـٰلِينَ} من المبغضين غاية البعض لا أقف عن الإِنكار عليه بالإِبعاد، وهو أبلغ من أن يقول »إِنّي لِعَمَلِكُمْ« قال لدلالته على أنه معدود في زمرتهم مشهور بأنه من جملتهم.

{رَبّ نَّجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ} أي من شؤمه وعذابه.

{فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} أهل بيته والمتبعين له على دينه بإخراجهم من بينهم وقت حلول العذاب بهم.

{إِلاَّ عَجُوزاً} هي امرأة لوط. {فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ} مقدرة في الباقين في العذاب إذ أصابها حجر في الطريق فأهلكها لأنها كانت مائلة إلى القوم راضية بفعلهم. وقيل كائنة فيمن بقي في القرية فإنها لم تخرج مع لوط.

{ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ} أهلكناهم.

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا} وقيل أمطر الله على شذاذ القوم حجارة فأهلكهم. {فَسَاءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} اللام فيه للجنس حتى يصح وقوع المضاف إليه فاعل ساء والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.

{كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ} الأيكة غيضة تنبت ناعم الشجر يريد غيضة بقرب مدين تسكنها طائفة فبعث الله إليهن شعيباً كما بعثه إلى مدين وكان أجنبياً منهم فلذلك قال:

{إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} ولم يقل أخوهم شعيب. وقيل الأيكة شجرة ملتف وكان شجرهم الدوم وهو المقل، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «ليكة» بحذف الهمزة وإبقاء حركتها على اللام وقرئت كذلك مفتوحة على أنها ليكة وهي اسم بلدتهم، وإنما كتبت ها هنا وفي ص بغير ألف اتباعاً للفظ.

{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

{أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ} أتموه. {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ} الناقصين حقوق الناس بالتطفيف.

{وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ } بالميزان السوي، وهو وإن كان عربياً فإن كان من القسط ففعلاس بتكرير العين وإلا ففعلال. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف. {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} ولا تنقصوا شيئاً من حقوقهم. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } بالقتل والغارة وقطع الطريق.

{وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} وذوي الجبلة الأولين يعني من تقدمهم من الخلائق.

{قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا} أتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين متنافين للرسالة مبالغة في تكذيبه. {وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } في دعواك.

{فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَاء } قطعة منها، ولعله جواب لما أشعر به الأمر بالتقوى من التهديد. وقرأ حفص بفتح السين. {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في دعواك.

{قَالَ رَبّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } وبعذابه منزل عليكم ما أوجبه لكم عليه في وقته المقدر له لا محالة.

{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ } على نحو ما اقترحوا بأن سلط الله عليهم الحر سبعة أيام حتى غلت أنهارهم وأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا. {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ}.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } هذا آخر القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديداً للمكذبين به، وإطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به، واقتراحهم له استهزاء وعدم مبالاة به يدفع أن يقال إنه كان بسبب اتصالات فلكية أو كان إبتلاء لهم لا مؤاخدة على تكذيبهم.

{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}.

{عَلَىٰ قَلْبِكَ } تقرير لحقية تلك القصص وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحياً من الله عز وجل، والقلب إن أراد به الروح فذاك وإن أراد به العضو فتخصيصه، لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولاً على الروح ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة، و {ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} جبريل عليه الصلاة والسلام فإنه أمين الله على وحيه. وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بتشديد الزاي ونصب {ٱلرُّوحُ ٱلاْمِينُ}. {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ} عما يؤدي إلى عذاب من فعل أو ترك.