خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ
٢٧
ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ
٢٨
قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ
٢٩
إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ
٣٠
أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
٣١
قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ
٣٢
قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ
٣٣
قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ
٣٤
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ
٣٥
فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
٣٦
ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ
٣٧
-النمل

انوار التنزيل واسرار التأويل

{قَالَ سَنَنظُرُ} سنعرف من النظر بمعنى التأمل. {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} أي أم كذبت والتغيير للمبالغة ومحافظة الفواصل.

{ٱذْهَب بّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } ثم تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه. {فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } ما يرجع بعضهم إلى بعض من القول.

{قَالَتْ } أي بعد ما ألقى إليها. {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} لكرم مضمونه أو مرسله، أو لأنه كان مختوماً أو لغرابة شأنه إذ كانت مستلقية في بيت مغلقة الأبواب فدخل الهدهد من كوة وألقاه على نحرها بحيث لم تشعر به.

{إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ} استئناف كأنه قيل لها ممن هو وما هو فقالت إنه، أي إن الكتاب أو العنوان من سليمان {وَإِنَّهُ} أي وإن المكتوب أو المضمون. وقرىء بالفتح على الإِبدال من {كِتَابٌ } أو التعليل لكرمه. {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }.

{أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ} أن مفسرة أو مصدرية فتكون بصلتها خبر محذوف أي هو أو المقصود أن لا تعلوا أو بدل من {كِتَابٌ }. {وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ} مؤمنين أو منقادين، وهذا كلام في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع تعالى وصفاته صريحاً أو التزاماً، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل والأمر بالإِسلام الجامع لأمهات الفضائل، وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الدلالة.

{قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} أجيبوني في أمري الفتي واذكروا ما تستصوبون فيه. {مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً} ما أبت أمراً. {حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} إلا بمحضركم استعطفتهم بذلك ليمالئوها على الإِجابة.

{قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ } بالأجساد والعدد. {وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ} نجدة وشجاعة. {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ} موكول. {فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ } من المقاتلة أو الصلح نطعك ونتبع رأيك.

{قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً} عنوة وغلبة. {أَفْسَدُوهَا} تزييف لما أحست منهم من الميل إلى المقاتلة بادعائهم القوى الذاتية والعرضية، وإشعار بأنها ترى الصلح مخافة أن يتخطى سليمان خططهم فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم، ثم أن الحرب سجال لا تدري عاقبتها. {وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} بنهب أموالهم وتخريب ديارهم إلى غير ذلك من الإِهانة والأسر. {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} تأكيد لما وصفت من حالهم وتقرير بأن ذلك من عاداتهم الثابتة المستمرة، أو تصديق لها من الله عز وجل.

{وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} بيان لما ترى تقديمه في المصالحة، والمعنى إني مرسلة رسلاً بهدية أدفعه بها عن ملكي. {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ } من حاله حتى أعمل بحسب ذلك. روي أنها بعثت منذر بن عمرو في وفد وأرسلت معهم غلماناً على زي الجواري وجواري على زي الغلمان، وحُقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً، فلما وصلوا إلى معسكره ورأوا عظمة شأنه تقاصرت إليهم نفوسهم، فلما وقفوا بين يديه وقد سبقهم جبريل بالحال فطلب الحق وأخبر عما فيه، فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة وأمر دودة بيضاء فأخذت الخيط ونفذت في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ثم رد الهدية.

{فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ} أي الرسول أو ما أهدت إليه وقرىء «فلما جاؤوا». {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} خطاب للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل على تغليب المخاطب. وقرأ حمزة ويعقوب بالإِدغام وقرىء بنون واحدة وبنونين وحذف الياء. {فَمَا ءاتَـٰنِى ٱللَّهُ} من النبوة والملك الذي لا مزيد عليه، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص بفتح الياء والباقون بإسكانها وبإمالتها. الكسائي وحده. {خَيْرٌ مّمَّا ءَاتَـٰكُمْ} فلا حاجة لي إلى هديتكم ولا وقع لها عندي. {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } لأنكم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا فتفرحون بما يهدى إليكم حباً لزيادة أموالكم، أو بما تهدونه افتخاراً على أمثالكم، والإِضراب عن إنكار الإِمداد بالمال عليه وتقليله إلى بيان السبب الذي حملهم عليه، وهو قياس حاله على حالهم في قصور الهمة بالدنيا والزيادة فيها.

{اْرجِعِ} أيها الرسول. {إِلَيْهِمُ} إلى بلقيس وقومها. {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا } لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة لهم على مقابلتها وقرىء «بهم». {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا} من سبأ. {أَذِلَّةً} بذهاب ما كانوا فيه من العز. {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} أسراء مهانون.