خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٧٠
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ
٧١
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ
٧٢
وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٧٣
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ
٧٤
وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوۤاْ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٧٥
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ
٧٦
وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ
٧٧
قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ
٧٨
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
٧٩
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ
٨٠
فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ
٨١
وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ
٨٢
تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
٨٣
مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٨٤
إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٨٥
وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ
٨٦
وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٨٧
وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٨
-القصص

انوار التنزيل واسرار التأويل

{وَهُوَ ٱللَّهُ} المستحق للعبادة. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } لا أحد يستحقها إلا هو. {لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ } لأنه المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا بقولهم { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } [فاطر: 34] { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } [الزمر: 74] ابتهاجاً بفضله والتذاذاً بحمده. {وَلَهُ ٱلْحُكْمُ } القضاء النافذ في كل شيء. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالنشور.

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً } دائماً من السرد وهو المتابعة والميم مزيدة كميم دلامص. {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} بإِسكان الشمس تحت الأرض أو تحريكها حول الأفق الغائر. {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ} كان حقه هل إله فذكر بـ {مِنْ } على زعمهم أن غيره آلهة. وعن ابن كثير «بضئاء» بهمزتين. {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } سماع تدبر واستبصار.

{قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } باسكانها في وسط السماء أو تحريكها على مدار فوق الأفق. {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } استراحة عن متاعب الأشغال، ولعله لم يصف الضياء بما يقابله لأن الضوء نعمة في ذاته مقصود بنفسه ولا كذلك الليل، ولأن منافع الضوء أكثر مما يقابله ولذلك قرن {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } و {بِٱلَّيْلِ }. {أَفلاَ تُبْصِرُونَ } لأن استفادة العقل من السمع اكثر من استفادته من البصر.

{وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } في الليل {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } في النهار بأنواع المكاسب. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها.

{وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تقريع بعد تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإِشراك به، أو الأول لتقرير فساد رأيهم والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند وإنما كان محض تشه وهوى.

{وَنَزَعْنَا} وأخرجنا. {مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} وهو نبيهم يشهد عليهم بما كانوا عليه. {فَقُلْنَا} للأمم. {هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ} على صحة ما كنتم تدينون به. {فَعَلِمُواْ} حينئذ. {أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ } في الألوهية لا يشاركه فيها أحد. {وَضَلَّ عَنْهُم} وغاب عنهم غيبة الضائع. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الباطل.

{إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} كان ابن عمه يصهر بن قاهث بن لاوي وكان ممن آمن به. {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ } فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت أمره، أو تكبر عليهم أو ظلمهم. قيل وذلك حين ملكه فرعون على بني إسرائيل، أو حسدهم لما روي أنه قال لموسى عليه السلام: لك الرسالة ولهارون الحبورة وأنا في غير شيء إلى متى أصبر قال موسى هذا صنع الله. {وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ} من الأموال المدخرة. {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} مفاتيح صناديقه جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به، وقيل خزائنه وقياس واحدها المفتح. {لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوَّةِ} خبر إن والجملة صلة وهو ثاني مفعولي آتى، ونائبه الحمل إذا أثقله حتى أماله، والعصبة والعصابة الجماعة الكثيرة واعصوصبوا اجتمعوا. وقرىء «لينوء» بالياء على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه. {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} منصوب بـ «تنوء». {لاَ تَفْرَحْ } لا تبطر والفرح بالدنيا مذموم مطلقاً لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ذهابها، فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح كما قيل:

أَشد الغَمَّ عِنْدِي فِي سُرُور تَيَقّن عَنْهُ صَاحِبهُ انتِقَالاَ

ولذلك قال تعالى: {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءَاتَـٰكُمْ}، وعلل النهي ها هنا بكونه مانعاً من محبة الله تعالى فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} أي بزخارف الدنيا.

{وَٱبْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ٱللَّهُ} من الغنى. {ٱلدَّارَ ٱلاْخِرَةَ} بصرفه فيما يوجبها لك فإن المقصود منه أن يكون وصلة إليها. {وَلاَ تَنسَ} ولا تترك ترك المنسي. {نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا } وهو أن تحصل بها آخرتك وتأخذ منها ما يكفيك. {وَأَحْسِنْ} إلى عباد الله. {كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } فيما أنعم الله عليك. وقيل {أَحْسَنُ } بالشكر والطاعة {كَمَا أَحْسَنَ } إليك بالإِنعام. {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلأَرْضِ} بأمر يكون علة للظلم والبغي، نهي له عما كان عليه من الظلم والبغي. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ } لسوء أفعالهم.

{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِى} فضلت به على الناس واستوجبت به التفوق عليهم بالجاه والمال، و {عَلَىٰ عِلْمٍ} في موضع الحال وهو علم التوراة وكان أعلمهم بها، وقيل هو الكيمياء وقيل علم التجارة والدهقنة وسائر المكاسب، وقيل العلم بكنوز يوسف، و {عِندِى} صفة له أو متعلق بـ {أُوتِيتُهُ} كقولك: جاز هذا عندي أي في ظني واعتقادي. {أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} تعجب وتوبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك لأنه قرأه في التوراة وسمعه من حفاظ التواريخ، أو رد لادعائه للعلم وتعظمه به بنفي هذا العلم عنه أي أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعى. ولم يعلم هذا حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين. {وَلاَ يُسْـئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} سؤال استعلام فإنه تعالى مطلع عليها أو معاتبة فإنهم يعذبون بها بغتة، كأنه لما هدد قارون بذكر إهلاك من قبله ممن كانوا أقوى منه واغنى أكد ذلك بأن بين أنه لم يكن مطلعاً على ما يخصهم بل الله مطلع على ذنوب المجرمين كلهم معاقبهم عليها لا محالة.

{فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ } كما قيل إنه خرج على بغلة شهباء عليه الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه. {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} على ما هو عادة الناس من الرغبة. {يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَـٰرُونُ} تمنوا مثله لا عينه حذراً عن الحسد. {إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ} من الدنيا.

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } بأحوال الآخرة للمتمنين. {وَيْلَكُمْ} دعاء بالهلاك استعمل للزجر عما لا يرتضى. {ثَوَابُ ٱللَّهِ } في الآخرة. {خَيْرٌ لّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} مما أوتي قارون بل من الدنيا وما فيها. {وَلاَ يُلَقَّاهَا} الضمير فيه للكلمة التي تكلم بها العلماء أو للـ {ثَوَابَ}، فإنه بمعنى المثوبة أو الجنة أو للإيمان والعمل الصالح فإنهما في معنى السيرة والطريقة. {إِلاَّ ٱلصَّـٰبِرُونَ} على الطاعات وعن المعاصي.

{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} روي أنه كان يؤذي موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه لقرابته حتى نزلت الزكاة، فصالحه عن كل ألف على واحد فحسبه فاستكثره، فعمد إلى أن يفضح موسى بين بني إسرائيل ليرفضوه، فبرطل بغية لترميه بنفسها فلما كان يوم العيد قام موسى خطيباً فقال: من سرق قطعناه، ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى محصناً رجمناه، فقال قارون ولو كنت قال: ولو كنت، قال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة فأحضرت، فناشدها موسى عليه السلام بالله أن تصدق فقالت: جعل لي قارون جعلاً على أن أرميك بنفسي، فخر موسى شاكياً منه إلى ربه فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فقال: يا أرض خذيه فأخذته إلى ركبتيه، ثم قال خذيه إلى وسطه، ثم قال خذيه فأخذته إلى عنقه، ثم قال خذيه فخسفت به وكان قارون يتضرع إليه في هذه الأحوال فلم يرحمه، فأوحى الله إليه ما أفظك استرحمك مراراً فلم ترحمه، وعزتي وجلالي لو دعاني مرة لأجبته، ثم قال بنو إسرائيل: إنما فعله ليرثه، فدعا الله تعالى حتى خسف بداره وأمواله. {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ } أعوان مشتقة من فأوت رأسه إذا ميلته. {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ } فيدفعون عنه عذابه. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ } الممتنعين منه من قولهم نصره من عدوه فانتصر إذا منعه منه فامتنع.

{وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ } منزلته. {بِٱلأَمْسِ} منذ زمان قريب. {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} {يَبْسُطُ} {وَيَقْدِرُ} بمقتضى مشيئته لا لكرامة تقتضي البسط ولا لهوان يوجب القبض، وويكأن عند البصريين مركب من «وي» للتعجب «وكأن» للتشبه والمعنى: ما أشبه الأمر أن يبسط الرزق. وقيل من «ويك» بمعنى ويلك «وأن» تقديره ويك اعلم أن الله. {لَوْلا أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} فلم يعطنا ما تمنينا. {لَخَسَفَ بِنَا} لتوليده فينا ما ولده فيه فخسف بنا لأجله. وقرأ حفص بفتح الخاء والسين. {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} لنعمة الله أو المكذبون برسله وبما وعدوا لهم ثواب الآخرة.

{تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} إشارة تعظيم كأنه قال: تلك التي سمعت خبرها وبلغك وصفها، و {ٱلدَّارِ } صفة والخبر: {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى ٱلأَرْضِ} غلبة وقهراً. {وَلاَ فَسَاداً} ظلماً على الناس كما أراد فرعون وقارون. {وَٱلْعَـٰقِبَةُ } المحمودة. {لّلْمُتَّقِينَ} ما لا يرضاه الله.

{مَن جَاءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } ذاتاً وقدراً ووصفاً. {وَمَن جَاءَ بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ} وضع فيه الظاهر موضع الضمير تهجيناً لحالهم بتكرير إسناد السيئة إليهم. {إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي إلا مثل ما كانوا يعملون فحذف المثل وأقيم {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} مقامه مبالغة في المماثلة.

{إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ} أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه. {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} أي معاد وهو المقام المحمود الذي وعدك أن يبعثك فيه، أو مكة التي اعتدت بها أنه من العادة رده إليها يوم الفتح، كأنه لما حكم بأن {ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} وأكد ذلك بوعد المحسنين ووعيد المسيئين وعده بالعاقبة الحسنى في الدارين. روي أنه لما بلغ جحفة في مهاجره اشتاق إلى مولده ومولد آبائه فنزلت. {قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بِٱلْهُدَىٰ} وما يستحقه من الثواب والنصر ومن منتصب بفعل يفسره أعلم. {وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} وما استحقه من العذاب والإذلال يعني به نفسه والمشركين، وهو تقرير للوعد السابق وكذا قوله:

{وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ } أي سيردك إلى معادك كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه. {إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } ولكن ألقاه رحمة منه، ويجوز أن يكون استثناء محمولاً على المعنى كأنه قال: وما ألقى إليك الكتاب إلا رحمة. {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لّلْكَـٰفِرِينَ } بمداراتهم والتحمل عنهم والإِجابة إلى طلبتهم.

{وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ } عن قراءتها والعمل بها. {بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} وقرىء {يَصُدُّنَّكَ } من أصد. {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبّكَ } إلى عبادته وتوحيده. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} بمساعدتهم.

{وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ} هذا وما قبله للتهييج وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} إلا ذاته فإن ما عداه ممكن هالك في حد ذاته معدوم. {لَهُ ٱلْحُكْمُ } القضاء النافذ في الخلق. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} للجزاء بالحق. عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ طسم القصص كان له من الأجر بعدد من صدق موسى وكذب ولم يبق ملك في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقاً"