خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
١١
وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
١٢
وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١٣
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٤
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ
١٥
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
١٦
فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٧
أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ
١٨
أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٩
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
٢٠
-السجدة

انوار التنزيل واسرار التأويل

{قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم} يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئاً ولا يبقي منكم أحداً، والتفعل والإِستفعال يلتقيان كثيراً كتقصيته واستقصيته وتعجلته واستعجلته. {مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكّلَ بِكُمْ} بقبض أرواحكم وإحصاء آجالكم. {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ} للحساب والجزاء.

{وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ} من الحياء والخزي. {رَبَّنَا} قائلين ربنا. {أَبْصَـٰرُنَا} ما وعدتنا. {وَسَمِعْنَا} منك تصديق رسلك. {فَٱرْجِعْنَا } إلى الدنيا. {نَعْمَلْ صَـٰلِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ } إذ لم يبق لنا شك بما شاهدنا، وجواب {لَوْ } محذوف تقديره لرأيت أمراً فظيعاً، ويجوز أن تكون للتمني والمضي فيها وفي {إِذْ } لأن الثابت في علم الله بمنزلة الواقع، ولا يقدر لـ {تَرَى } مفعول لأن المعنى لو يكون منك رؤية في هذا الوقت، أو يقدر ما دل عليه صلة إذا والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد.

{وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له. {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي} ثبت قضائي وسبق وعيدي وهو {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وذلك تصريح بعدم إيمانهم لعدم المشيئة المسبب عن سبق الحكم بأنهم من أهل النار، ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسبباً عن نسيانهم العاقبة وعدم تفكرهم فيها بقوله:

{فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} فإنه من الوسائط والأسباب المقتضية له. {إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ} تركناكم من الرحمة، أو في العذاب ترك المنسي وفي استئنافه وبناء الفعل على أن واسمها تشديد في الانتقام منهم. {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} كرر الأمر للتأكيد ولما نيط به من التصريح بمفعوله وتعليله بأفعالهم السيئة من التكذيب والمعاصي كما علله بتركهم تدبر أمر العاقبة والتفكير فيها دلالة على أن كلاً منهما يقتضي ذلك.

{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا} وعظوا بها. {خَرُّواْ سُجَّداً} خوفاً من عذاب الله. {وَسَبَّحُواْ} نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث. {بِحَمْدِ رَبّهِمْ} حامدين له شكراً على ما وفقهم للإسلام وآتاهم الهدى. {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن الإِيمان والطاعة كما يفعل من يصر مستكبراً.

{تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ} ترتفع وتتنحى. {عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } الفرش ومواضع النوم. {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} داعين إياه. {خَوْفًا} من سخطه. {وَطَمَعًا } في رحمته. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها "قيام العبد من الليل" وعنه عليه الصلاة والسلام "إذا جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد جاء منادٍ ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعاً إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" وقيل كان أناس من الصحابة يصلون من المغرب إلى العشاء فنزلت فيهم. {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} في وجوه الخير.

{فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم} لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. {مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} مما تقربه عيونهم. وعنه عليه الصلاة والسلام "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بَلْهَ ما أطلعتهم عليه، أقرؤوا فلا تعلم نفس ما أخفي لهم" وقرأ حمزة ويعقوب {أُخْفِىَ لَهُم} على أنه مضارع أخفيت، وقروء نخفي وأخفي الفاعل للكل هو الله، وقرأت {أَعْيُنِ} لاختلاف أنواعها والعلم بمعنى المعرفة و {مَا} موصوله أو استفهامية معلق عنها الفعل. {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي جزوا جزاء أو أخفي للجزاء فإن إخفاءه لعلو شأنه. وقيل هذا القوم أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم.

{أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} خارجاً عن الإِيمان {لاَّ يَسْتَوُونَ} في الشرف والمثوبة تأكيد وتصريح والجمع للحمل على المعنى.

{أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ} فإنها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة. وقيل المأوى جنة من الجنان. {نُزُلاً } سبق تفسيره في سورة «آل عمران». {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بسبب أعمالهم أو على أعمالهم.

{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} مكان جنة المأوى للمؤمنين. {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا} عبارة عن خلودهم فيها. {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ} إهانة لهم وزيادة في غيظهم.