خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١
مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٢
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
٣
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ
٥
إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ
٦
-فاطر

انوار التنزيل واسرار التأويل

مكية وآيها خمس وأربعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

{ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} مبدعهما من الفطر بمعنى الشق كأنه شق العدم بإخراجهما منه، والإِضافة محضة لأنه بمعنى الماضي. {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً} وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والإِلهام والرؤيا الصادقة، أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه. {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ} ذوي أجنحة متعددة متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون، أو يسرعون بها نحو ما وكلهم الله عليه فيتصرفون فيه على أمرهم به، ولعله لم يرد به خصوصية الإِعداد ونفي ما زال عليها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} استئناف للدلالة على أن تفاوتهم في ذلك بمقتضى مشيئته ومؤدى حكمته لا أمر تستدعيه ذواتهم، لأن اختلاف الأصناف، والأنواع بالخواص والفصول إن كان لذواتهم المشتركة لزم تنافي لوازم الأمور المتفقة وهو محال، والآية متناولة زيادات الصور والمعاني كملاحة الوجه وحسن الصوت وحصافة العقل وسماحة النفس. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض، إنما هو من جهة الإرادة.

{مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ} ما يطلق لهم ويرسل وهو من تجوز السبب للمسبب. {مِن رَّحْمَةِ} كنعمة وأمن وصحة وعلم ونبوة. {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} يحبسها. {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ} يطلقه، واختلاف الضميرين لأن الموصول الأول مفسر بالرحمة والثاني مطلق بتناولها والغضب، وفي ذلك إشعار بأن رحمته سبقت غضبه. {مِن بَعْدِهِ} من بعد إمساكه. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب على ما يشاء ليس لأحد أن ينازعه فيه. {ٱلْحَكِيمُ} لا يفعل إلا بعلم وإتقان. ثم لما بين أنه الموجد للملك والملكوت والمتصرف فيهما على الإِطلاق أمر الناس بشكر إنعامه فقال:

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} احفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها، ثم أنكر أن يكون لغيره في ذلك مدخل فيستحق أن يشرك به بقوله: {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى إشراك غيره به، ورفع {غَيْر} للحمل على محل {مِنْ خَـٰلِقٍ } بأنه وصف أو بدل، فإن الاستفهام بمعنى النفي، أو لأنه فاعل {خَـٰلِقٌ } وجره حمزة والكسائي حملاً على لفظه، وقد نصب على الاستثناء، و {يَرْزُقُكُمْ} صفة لـ {خَـٰلِقٌ} أو استئناف مفسر له أو كلام مبتدأ، وعلى الأخير يكون إطلاق {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ} مانعاً من إطلاقه على غير الله.

{وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} أي فتأس بهم في الصبر على تكذيبهم، فوضع {فَقَدْ كُذّبَتْ} موضعه استغناء بالسبب عن المسبب، وتنكير رسل للتعظيم المقتضي زيادة التسلية والحث على المصابرة. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} فيجازيك وإياهم على الصبر والتكذيب.

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} بالحشر والجزاء. {حَقٌّ} لا خلف فيه. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها. {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} الشيطان بأن يمنيكم المغفرة مع الإِصرار على المعصية، فإنها وإن أمكنت لكن الذنب بهذا التوقع كتناول السم اعتماداً على دفع الطبيعة. وقرىء بالضم وهو مصدر أو جمع كقعود.

{إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ} عداوة عامة قديمة. {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} في عقائدكم وأفعالكم وكونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم. {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ} تقرير لعداوته وبيان لغرضه في دعوة شيعته إلى اتباع الهوى والركون إلى الدنيا.