خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ
١١
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
١٢
وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ
١٣
وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
١٤
وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
١٥
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
١٦
أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ
١٧
قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ
١٨
فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ
١٩
وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ
٢٠
هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
٢١
ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ
٢٢
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ
٢٣
-الصافات

انوار التنزيل واسرار التأويل

{فَٱسْتَفْتِهِمْ } فاستخبرهم والضمير لمشركي مكة أو لبني آدم. {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا } يعني ما ذكر من الملائكة والسماء والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب، و {مِنْ } لتغليب العقلاء ويدل عليه إطلاقه ومجيئه بعد ذلك، وقراءة من قرأ «أم من عددنا»، وقوله: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } فإنه الفارق بينهم وبينها لا بينهم وبين من قبلهم كعاد وثمود، وإن المراد إثبات المعاد ورد استحالته والأمر فيه بالإِضافة إليهم وإلى من قبلهم سواء، وتقريره أن استحالة ذلك إما لعدم قابلية المادة ومادتهم الأصلية هي الطين اللازب الحاصل من ضم الجزء المائي إلى الجزء الأرضي وهما باقيان قابلان للانضمام بعد، وقد علموا أن الإِنسان الأول إنما تولد منه إما لاعترافهم بحدوث العالم أو بقصة آدم وشاهدوا تولد كثير من الحيوانات منه بلا توسط مواقعة، فلزمهم أن يجوزوا إعادتهم كذلك، وإما لعدم قدرة الفاعل ومن قدر على خلق هذه الأشياء قدر على ما لا يعتد به بالإِضافة إليها سيما ومن ذلك بدؤهم أولاً وقدرته ذاتية لا تتغير.

{بَلْ عَجِبْتَ } من قدرة الله تعالى وإنكارهم للبعث. {وَيَسْخُرُونَ } من تعجبك وتقريرك للبعث، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء أي بلغ كمال قدرتي وكثرة خلائقي أن تعجبت منها، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها. أو عجبت من أن ينكر البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يجوزه. والعجب من الله تعالى إما على الفرض والتخييل أو على معنى الاستعظام اللازم له فإنه روعة تعتري الإِنسان عند استعظامه الشيء، وقيل إنه مقدر بالقول أي: قال يا محمد بل عجبت.

{وَإِذَا ذُكّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ } وإذا وعظوا بشيء لا يتعظون به، أو إذا ذكر لهم ما يدل على صحة الحشر لا ينتفعون به لبلادتهم وقلة فكرهم.

{وَإِذَا رَأَوْاْ ءايَةً } معجزة تدل على صدق القائل به. {يَسْتَسْخِرُونَ } يبالغون في السخرية ويقولون إنه سحر، أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها.

{وَقَالُواْ إِن هَـٰذَا } يعنون ما يرونه. {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر سحريته.

{أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } أصله انبعث إذا متنا فبدلوا الفعلية بالاسمية وقدموا الظرف وكرروا الهمزة مبالغة في الإِنكار، وإشعاراً بأن البعث مستنكر في نفسه وفي هذه الحالة أشد استنكاراً، فهو أبلغ من قراءة ابن عامر بطرح الهمزة الأولى وقراءة نافع والكسائي ويعقوب بطرح الثانية.

{أَوَ ءَابَاؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ } عطف على محل {إِن } واسمها، أو على الضمير في «مبعوثون» فإنه مفصول منه بهمزة الاستفهام لزيادة الاستبعاد لبعد زمانهم، وسكن نافع برواية قالون بن عامر والواو على معنى الترديد.

{قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دٰخِرُونَ } صاغرون، وإنما اكتفى به في الجواب لسبق ما يدل على جوازه وقيام المعجز على صدق المخبر عن وقوعه، وقرىء «قال» أي الله أو الرسول وقرأ الكسائي وحده « نِعْمَ» بالكسر وهو لغة فيه.

{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ } جواب شرط مقدر أي إذا كان ذلك فإنما البعثة {زَجْرَةٌ } أي صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها وأمرها في الإِعادة كأمر {كُنْ } في الإِبداء ولذلك رتب عليها. {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } فإذا هم قيام من مراقدهم أحياء يبصرون، أو ينتظرون ما يفعل بهم.

{وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } اليوم الذي نجازى بأعمالنا وقد تم به كلامهم وقوله:

{هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } جواب الملائكة، وقيل هو أيضاً من كلام بعضهم لبعض والفصل القضاء، أو الفرق بين المحسن والمسيء.

{ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } أمر الله للملائكة، أو أمر بعضهم لبعض بحشر الظلمة من مقامهم إلى الموقف. وقيل منه إلى الجحيم. {وَأَزْوٰجُهُمْ } وأشباههم عابد الصنم مع عبدة الصنم وعابد الكوكب مع عبدته كقوله تعالى: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً } [الواقعة: 7] أو نساءهم اللاتي على دينهم أو قرناءهم من الشياطين. {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } من الأصنام وغيرها زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم، وهو عام مخصوص بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } الآية، وفيه دليل على أن {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } هم المشركون. {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } فعرفوهم طريقاً ليسلكوها.