خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ
٢٣
فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ
٢٤
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ
٢٥
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
٢٦
فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٢٧
ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ
٢٨
وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ
٢٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
٣٠
نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ
٣١
نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ
٣٢
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ
٣٣
وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
٣٤
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
٣٥
-فصلت

انوار التنزيل واسرار التأويل

{وَذَلِكُمْ} إشارة إلى ظنهم هذا، وهو مبتدأ وقوله: {ظَنُّكُمْ ٱلَّذِى ظَنَنتُمْ بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ } خبران له ويجوز أن يكون {ظَنُّكُمُ } بدلاً و {أَرْدَاكُمْ } خبراً. {فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ ٱلُخَـٰسِرِينَ} إذ صار ما منحوا للاستسعاد به في الدارين سبباً لشقاء المنزلين.

{فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } لا خلاص لهم عنها. {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ } يسألوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبون. {فَمَا هُم مّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ } المجابين إليها ونظيره قوله تعالى حكاية {أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } وقرىء {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ }، أي إن يسألوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون لفوات المكنة.

{وَقَيَّضْنَا} وقدرنا. {لَهُمْ} للكفرة. {قُرَنَاءَ} أخدانا من الشياطين يستولون عليهم استيلاء القبض على البيض وهو القشر. وقيل أصل القيض البدل ومنه المقايضة لمعاوضة. {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من أمر الدنيا واتباع الشهوات. {وَمَا خَلْفَهُمْ } مِنْ أمر الآخرة وإنكاره. {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي كلمة العذاب. {فِى أُمَمٍ } في جملة أمم كقول الشاعر:

إِنْ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأ فُوكاً فِفِي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا

وهو حال من الضمير المجرور. {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ} وقد عملوا مثل أعمالهم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ } تعليل لاستحقاقهم العذاب، والضمير {لَهُمْ } وللـ {أُمَمٌ}.

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} وعارضوه بالخرافات أو ارفعوا أصواتكم بها لتشوشوه على القارىء، وقرىء بضم الغين والمعنى واحد يقال لغى يلغي ولغا يلغو إذا هذى. {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } أي تغلبونه على قراءته.

{فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً} المراد بهم هؤلاء القائلون، أو عامة الكفار. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } سيئات أعمالهم وقد سبق مثله.

{ذٰلِكَ }: إشارة إلى الأسوأ. {جَزَاءُ أَعْدَاءِ ٱللَّهِ} خبره. {ٱلنَّارُ} عطف بيان للـ {جَزَاء } أو خبر محذوف. {لَّهُمْ فِيهَا } في النار. {دَارُ الخُلْدِ } فإنها دار إقامتهم، وهو كقولك: في هذه الدار دار سرور، وتعني بالدار عينها على أن المقصود هو الصفة. {جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِئَايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ} ينكرون الحق أو يلغون، وذكر الجحود الذي هو سبب اللغو.

{وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا ٱللَّذَيْنَ أَضَلَّـٰنَا مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنسِ } يعني شيطاني النوعين الحاملين على الضلالة والعصيان. وقيل هما إبليس وقابيل فإنهما سنا الكفر والقتل، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وأبو بكر والسوسي {أَرِنَا} بالتخفيف كفخذ في فخذ، وقرأ الدوري باختلاس كسرة الراء. {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } ندوسهما انتقاماً منهما، وقيل نجعلهما في الدرك الأسفل. {لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} مكاناً أو ذلاً.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} اعترافاً بربوبيته وإقراراً بوحدانيته. {ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } في العمل و {ثُمَّ } لتراخيه عن الإِقرار في الرتبة من حيث أنه مبدأ الاستقامة، أو لأنها عسر قلما تتبع الإِقرار، وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات على الإِيمان وإخلاص العمل وأداء الفرائض فجزئياتها. {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن، أو عند الموت أو الخروج من القبر. {أَلاَّ تَخَافُواْ } ما تقدمون عليه. {وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما خلفتم وأن مصدرية أو مخففة مقدرة بالباء أو مفسرة. {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } في الدنيا على لسان الرسل.

{نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } نلهمكم الحق ونحملكم على الخير بدل ما كانت الشياطين تفعل بالكفرة. {وَفِي ٱلأَخِرَةِ } بالشفاعة والكرامة حيثما يتعادى الكفرة وقرناؤهم. {وَلَكُمْ فِيهَا } في الآخرة {مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } من اللذائذ {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } ما تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من الأول.

{نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } حال من ما تدعون للإشعار بأن ما يتمنون بالنسبة إلى ما يعطون مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف.

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ } إلى عبادته. {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } فيما بينه وبين ربه. {وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } تفاخراً به واتخاذاً للإسلام ديناً ومذهباً من قولهم: هذا قول فلان لمذهبه. والآية عامة لمن استجمع تلك الصفات. وقيل نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وقيل في المؤذنين.

{وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيّئَةُ } في الجزاء وحسن العاقبة و {لا } الثانية مزيدة لتأكيد النفي. {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقاً، أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات، وإنما أخرجه مخرج الاستئناف على أنه جواب من قال؛ كيف أصنع؟ للمبالغة ولذلك وضع {أَحْسَنُ } موضع الحسنة. {فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } أي إذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي الشفيق.

{وَمَا يُلَقَّاهَا } وما يلقى هذه السجية وهي مقابلته الإِساءة بالإحسان. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } فَإِنها تحبس النفس عن الانتقام. {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ } من الخير وكمال النفس وقيل الحظ الجنة.