خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢٨
وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ
٢٩
قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ
٣٠
يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
٣١
وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٣٢
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٣٣
وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٣٤
فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ
٣٥
-الأحقاف

انوار التنزيل واسرار التأويل

{فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً ءالِهَةَ } فهلا منعتهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقربون بهم إلى الله تعالى حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وأول مفعولي {ٱتَّخَذُواْ } الراجع إلى الموصول محذوف، وثانيهما {قُرْبَاناً } و {ءالِهَةً } بدل أو عطف بيان، أو {ءالِهَةً } و {قُرْبَاناً } حال أو مفعول له على أنه بمعنى التقرب. وقرىء « قُربَاناً» بضم الراء. {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ } غابوا عن نصرهم وامتنع أن يستمدوا بهم امتناع الاستمداد بالضال. {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ } وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره صرفهم عن الحق، وقرىء«إِفْكِهِمْ» بالتشديد للمبالغة، و «آفكهم» أي جعلهم آفكين و «آفكهم» أي قولهم الآفك أي ذو الإِفك. {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }.

{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ } أملناهم إليك والنفر دون العشرة وجمعه أنفار. {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءانَ } حَال محمولة على المعنى. {فَلَمَّا حَضَرُوهُ } أي القرآن أو الرسول. {قَالُواْ أَنصِتُواْ } قالُوا بعضهم لبعض اسكتوا لنسمعه. {فَلَمَّا قُضِىَ } أتم وفرغ من قراءته، وقرىء على بناء الفاعل وهو ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام. {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } أي منذرين إياهم بما سمعوا. روي أنهم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرأ في تهجده.

{قَالُواْ يَا قَوْمُنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } قيل إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهودا أو ما سمعوا بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام. {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى ٱلْحَقّ } من العقائد. {وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } من الشرائع.

{يٰقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّنْ ذُنُوبِكُمْ} بعض ذنوبكم، وهو ما يكون في خالص حق الله فإن المظالم لا تغفر بالإِيمان. {وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } هو معد للكفار، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه باقتصارهم على المغفرة والإِجارة على أن لا ثواب لهم، والأظهر أنهم في توابع التكليف كبني آدم.

{وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلأَرْضَ } إذ لا ينجي منه مهرب. {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} يمنعونه منه. {أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه.

{أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ} ولم يتعب ولم يعجز، والمعنى أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإِيجاد أبد الأباد. {بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي قادر، ويدل عليه قراءة يعقوب «يقدر»، والباء مزيدة لتأكيد النفي فإنه مشتمل على {أن} وما في حيزها ولذلك أجاب عنه بقوله: {بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٍ} تقرير للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود، كأنه صَدَّرَ السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد.

{وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } منصوب بقول مضمر مقوله: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ } والإِشارة إلى العذاب. {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } بكفركم في الدنيا، ومعنى الأمر هو الإِهانة بهم والتوبيخ لهم.

{فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُو ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} أولو الثبات والجد منهم فإنك من جملتهم، و {مِنْ} للتبيين، وقيل للتبعيض، و {أُوْلُو ٱلْعَزْمِ} منهم أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها، ومشاهيرهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام. وقيل الصابرون على بلاء الله كنوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده والذبيح على الذبح، ويعقوب على فقد الولد والبصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر، وموسى قال له قومه { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } [الشعراء: 61-62] وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة. {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } لكفار قريش بالعذاب فإنه نازل بهم في وقته لا محالة. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ} استقصروا من هوله مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة. {بَلاَغٌ } هذا الذي وعظتم به أو هذه السورة بلاغ أي كفاية، أو تبليغ من الرسول عليه الصلاة والسلام ويؤيده أنه قرىء «بلغ»، وقيل {بَلاَغٌ } مبتدأ خبره {لَهُمْ } و {مَا} بينهما اعتراض أي لهم وقت يبلغون إليه كأنهم إذا بلغوه ورأوا ما فيه استقصروا مدة عمرهم، وقرىء بالنصب أي بلغوا بلاغاً. {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } الخارجون عن الاتعاظ أو الطاعة، وقرىء يهلك بفتح اللام وكسرها من هلك وهلك، ونهلك بالنون ونصب القوم. عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا" .