خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٦٢
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ
٦٣
حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ
٦٤
لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ
٦٥
قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ
٦٦
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ
٦٧
-المؤمنون

تفسير القرآن العظيم

يقول تعالى مخبراً عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا: أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء، ولهذا قال: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} يعني: كتاب الأعمال، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي: لا يبخسون من الخير شيئاً، وأما السيئات، فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين، ثم قال منكراً على الكفار والمشركين من قريش: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ} أي: في غفلة وضلالة {مِّنْ هَـٰذَا}، أي: القرآن الذي أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ} قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس: {وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ} أي: سيئة من دون ذلك، يعني: الشرك {هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ} قال: لا بد أن يعملوها، كذا روي عن مجاهد والحسن وغير واحد. وقال آخرون: {وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ} أي: قد كتبت عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب، وروي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ظاهر قوي حسن، وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: "فو الذي لا إله غيره إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها" .

وقوله: {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـئَرُونَ} يعني: حتى إذا جاء مترفيهم، وهم المنعمون في الدنيا، عذاب الله وبأسه ونقمته بهم {إِذَا هُمْ يَجْـئَرُونَ} أي: يصرخون ويستغيثون؛ كما قال تعالى: { وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً } [المزمل: 11 ــــ 12] الآية، وقال تعالى: { كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } [ص: 3]. وقوله {لاَ تَجْـئَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} أي: لا يجيركم أحد مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتم، لا محيد ولا مناص ولا وزر، لزم الأمر ووجب العذاب، ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: {قَدْ كَانَتْ ءَايَـتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ} أي: إذا دعيتم أبيتم، وإن طلبتم امتنعتم، { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ } [غافر: 12].

وقوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ} في تفسيره قولان. (أحدهما) أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه استكباراً عليه، واحتقاراً له ولأهله، فعلى هذا الضمير في (به) فيه ثلاثة أقوال: (أحدها) أنه الحرم أي مكة، ذموا؛ لأنهم كانوا يسمرون فيه بالهجر من الكلام. (والثاني) أنه ضمير للقرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة، إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة. (والثالث) أنه محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة؛ من أنه شاعر أو كاهن أو ساحر أو كذاب أو مجنون، فكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله الذي أظهره الله عليهم وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء. وقيل المراد بقوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي: بالبيت يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا به، كما قال النسائي في التفسير من سننه: أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبد الله عن إسرائيل عن عبد الأعلى: أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس: أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ} فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله سامراً، قال: كانوا يتكبرون ويسمرون فيه، ولا يعمرونه ويهجرونه، وقد أطنب ابن أبي حاتم ههنا بما هذا حاصله.